ولعل من هؤلاء القاص المغربي عبد القادر الطاهري ، هذا الصوت الثمانيني الهادىء والعميق، وبعد عقد من الغياب الذي اعتبره د. جمال بوطيب غيابا واعيا بوعي ساخط و ذلك في تقديمه للمجموعة القصصية ، ها هو يطل علينا وفي موسم البرتقال برتقالته الوحيدة للموتى. إن عبد القادر الطاهري من خلال مجموعته القصصية هذه يرصد من زاوية ساخطة غاضبة، قضايا اجتماعية مختلفة، مشاهد حياتية موغلة في ذكريات يتقاذفها الواقع والحلم والاستيهام و الهذيان، في ثنائية جسدتها النصوص وحاول السارد التخلص منها... من ثنائيةالجسد والحلم... الجسد غارق في الذكريات كنوع من الهروب من تداعيات السوداوية والوحشة التي نلمسها من خلال الصمت والعطش والعراء " تذكرت الرحلة والعطش والخيانة والنار، تذكرت الجوع والصمت والعراء والموت وبكيت" ص41 . والحلم الذي يبحث فيه عن أفق مفتقد لمعاني وقيم سيطرت عليها اللعنة " "اللعنة التي تطارد هذه المدينة منذ زمن بعيد " ص47.
إن الأحداث التي ترصد بها النصوص العشرة والتي جاءت مشكلة لحلقة مرتبطة فيما بينهما- عالم أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال ، انعكاس لصورة ذهنية قد تكون اعتباطية غير أنها تخفي واقعا مريرا وقيما متدوهرة أخضعتها مفارقات قاسية وعوامل قاتلة، ويمكن الحكم هنا بأن عبد القادر الطاهري يكتب ضمن الفن الطبيعي الذي يمنح نماذجه القصصية من شخصيات حياتية لها وجود وكيان حقيقي، بل إن الأحداث التي يرويها والقصص التي يحكيها، أو االمشاهد الحياتية المرتبطة بها هي الواقع ذاته، وتكون نصوص البرتقالة الوحيدة للموتى في النهاية ليست سوى انعكاس صادق للحقيقة الواقعية، إن البنية السردية لنصوص البرتقالة الوحيدة للموتى لم تعد محكومة بالمنطق السببي، وكذا التتابع المنطقي المألوف والتماسك العقلاني التقليدي في الكتابة ، لأن النصوص تعي سببيتها، كما تعي نصيتها... وتحاول في يأس ساخط التخلص من وعيها هذا عبر الحلم بكل مقاييسه، فيتداخل الحلم مع الواقع، أمام نمط من الكتابة ينتسك التماسك القصصي معتمدا منطق التفكك، وعلى القارئ ان يخرج شيئا فشيئا تركيبة متوازنة دون ان تتوقف حركية النص، ومثل هذه الخاصية ترفض القراءة الخطية وتستدعي قراءة دائرية.
إن الكتابة نفسها ماهي مجرد حلم، فلا احد يملك اليقين حتى السارد نفس، لأنه ليس راضيا عن العالم الذي يعيش فيه، فمريم صورة الجسد المحروم ماديا ومعنويا عن الحالم بزوج غير مشلول، وكيف ثم استغلال هذا الحرمان من طرف المدينة/ المجتمع ليتحول إلى خطيئة حلت لعنة على مريم " كانت ترتجف وكانت تقف أمام المحامي الشاب ، طلب منها الجلوس فيرقة مفتعلة ، قالت له بانفعال للمرة الرابعة :
- إني حامل ! " ص 9 . حولتها في النهاية إلى جنازة . ثم تداخل الجسد العارق في الذكريات مع الزمان والمكان مع الحلم الذي يسيطر سيطرة تامة على مجريات السرد في" وقائع الغرفة رقم 10" والأسطورة / الحلم مع الواقع في " عنترة صغيرة " والمطر المرادف للحياة المشتهاة والقيم المفتقدة والرغبة في العودة إلى الطفولة وان تتخلص المدينة من قدراتها وأوساخها المتمثلة في القيم الفاسدة " كم " كم هو رائع عشق المدينة وهي تستجم " ص 39، مايعكس أن المطر = الخلاص في "ستمطر قططا" و " الجوقة "، ثم يتبين كرمه للعالم وحقده عليه ومحاولة تشتيت هذه الصورة/ الواقع عن طريق الحلم الذي يمكنه من الابتعاد قدر الإمكان " فكرت بصورة عابرة في أشياء مختلقة قد تحدث في العالم النتن " ص 37 من خلال البحث عن أشلاء الجسد المفقود" والحروب الذي كان نتيجة للغضب و السخط، الهروب/ القرار من الفقر والذكريات المريرة.. " تذكرت الجوع والعراء والموت وبكيت " ص 41 في هدية وأشياء أخرى "ونفسه الكره للمدينة وتحقيره لها، فهو يشعر فيها بالرتابة والإختناق ولايعرف لمشاعره الساخطة تجاهها خلاصا " ومنذ زمن بعيد كان المكان غارقا في شلالات من الخيبة والمرارة" ليدرك أن الحلم ليس سوى هروب، وأن المدينة التي حلم بها مستحيلة وبعيدة المنال " المدينة التي حلم بها بعيدة جدا " في " الزلزال" ، والحياة عند أعتاب الموت/ المقبرة في " البرتقالة الوحيدة للموتى" والحب والدم في " آمنة .. أحبك " والحلم الذي تحول إلى كابوس تجسد في جثته التي كانت تبتسم في وجهه ..." بحلقت في رأس الجثة الذي كان يبتسم في وجههي (...) توقفت للحظات ثم رددت بصوت أجش : - إنها جثتي !!" ص 64.
وهكذا نرى سيطرة الحلم سواء أكان ذلك بوعي أو لاوعي على مجريات السرد في نصوص البرتقالة الوحيدة للموتى ، ولكن .. هل يملك القاص غير سبيل الحلم تجاوزا لواقع قاسي .. محلقا فيه بدون قيود موغلا في عوالم الخيال الرحب ؟ على القارئ أن يكون قادرا على تذوق طعم البرتقالة فللبرتقالة الوحيدة للموتى طعم لايدرك كنهه غير أولئك الذين صاروا للبرتقال حكايا وضحايا..
... وحيدين كنا نختلي ولم يكن شيطان بيننا .. ملاكين قد كنا حينا وحينا قد كنا الشيطانا ...
لست أنا
قد كنت سجانا أحرس أحلام كأسي في عنابر غواية ، أحرض النفي والإضراب ، على التزلج
لا التزلف في عيون عبارات وطني الأقسى أطرز أخطائي الجميلة الحسنى وأشمع هواي ، في طرد ملغوم ، بالرغبات ...
وحين أخطو ، وأجثو ، على جثث المعنى الذي يسكنني ، أتحرر مني ... فأقدم اعتذاراتي ، إلى كل الجميلات اللائي ، رشقنني ، زمن السهو ، بالوجد ...لم أعرف أني أعتقلني حين أرد بالصد ...
قد كنت ، ألاعب أصابع الكلمات ، في خندق ، ألملم حصاه ، وأربي نقائي فيه ...
وكأنني ، أتحرر مني فأعيد الكلمات ، إلى نهرها ، فتجدد ثياب الكدح عليها ...
لازمتني شهوة الصحو حين نذرت للخوف ، ما يثقل سلال عدوي ...
وكأني ، لست مني ، ولست من وطن يقلدني منح المحن ... أبريل 2008

تعودُ من شغلها شُهود بالرُّكب المثنيَّة غِيرة تنورتُكِ القصيرةُ صَوت يتشاجران ناي حزينٌ كَلـماتنا نزيُّنها، وننتفها، ونحدفها على مسامع الآخرين، نلقيها على امتداد أذرعنا كأنَّها سنانير طُعِّمتْ جيداً، أبعدنا كلابنا عن المياه كي لا ينبِّهوا بنباحهم أسماك فطنتهم، دخَّنَّا سجائرنا، تذوَّقنا حروف كلماتنا كي نتأكَّد أنَّها مُسنَّنةً بما فيه الكفاية، قبل أن تهمَّ بالسُّقوط من فوق أطراف ألسنتنا، تذوَّقنا ملوحتها، استعذبنا المرارة اللاذعة وهي تلتفّ حول حروفها، وانتشينا ونحن نتخيَّل أنفسنا نحدفها في آذانهم، ضربتنا المتعة ونحن نتصوَّر كم ستحمرّ وجوههم، كم ستكوى أطراف آذانهم جمرة الخجل، شددنا نفساً عميقاً، نفثنا الدُّخان بشفاه ترتعش، وقلنا كلماتنا، قلناها هكذا، رميناها مثل حجرٍ نقذفه في مياهٍ آسنة، ونحن نوازي أيادينا الرَّامية مع سطح المياه، كي تكون أحجارنا مشطوفةً تضرب السَّطح الرَّخو مرَّة واثنتين وثلاثاً، تعمَّدنا النَّظر بعيون ناعسة في وجوههم، ونحن نرقب تلوُّن الوجوه، كنَّا نقهقه في أعماقنا؛ كم هي جميلة ومسنَّنة كلماتنا، وهْي تتقافز فوق مياههم، فَـاصـل الحروف التي شُغلتُ بها عنكِ صَـوت يتشاجران فَـراشة يعرفونه؛ تَـرْقِيم يكتب العاشق اسم عاشقته تَـعريف هو نُـدوب ذيلُ فستانكِ المُوشَّى بالورود قَسْـوة بيتٌ من طابقين غُـصْن يلزمها غَـزَل نبتة اللِّبلاب سَفَر I لا شيء أنا قابعٌ في آخر السَّطرِ تليني نقطةٌ ويسبقني الفراغْ.
II مثل أعمى يستردَّ نورَ عينيه من ظلمةٍ في القاعِ كان وحدَهُ يدرِّبُ يدهُ على الكتابة ووحدَهُ يختبرُ قدميه بالمشي وصدرَهُ بتحمِّل ثقل النيكوتين وقلبه بالحزنْ
الأرضُ التي هجرتْهُ قديماً أنبتتْ زهراً غريبَ الشَّكلِ طيِّبَ الرَّائحةْ وناسها لم يعودوا أنفسهمْ.
III كأنَّكَ على سفرٍ ترتَّبُ الأشياءَ تزيحُ الأتربةَ الخفيفةَ بضربةِ مِنْفضةٍ وتنصتُ لشروخِ الأصواتِ في أذنكَ وهْيَ تتبدلُ من حالٍ إلى حالْ تودِّعُ الأصدقاءَ بنظراتٍ مكسورةٍ وابتساماتٍ معتذرةٍ بلا سببٍ
كأنَّك على سفرٍ تحتارُ ما الذي تحملهُ معكَ وما الذي تهملهُ أيُّ الكلماتِ تقولها لأمِّكَ وأيُّها لا تلفظه
كأنَّكَ على سفرْ.
IV فتَّشوه أخرجوا من جيبه الصَّغير صوراً عائليةً مكسَّرةَ الحوافِّ أولادَ عمومةٍ لم يرهم منذ سنينَ وأسماءَ رفاقٍ طارئينَ أوصوهُ بأنْ يرعى المحبَّةَ بالسِّؤالْ وثيقةَ سفرٍ وقبلاتِ أمٍّ محلاةٍ بملحِ دموعِها لحظة الوداعْ أحجبةً ضدَّ الخوفِ وقلاداتٍ تحفظُهُ من العينِ سنابكَ خيلٍ متعبةٍ من التِّجوالِ في كتب التَّاريخِ وتذكاراتٍ رخيصةً من الأصدقاءِ البعيدين نوباتِ حنينٍ وفتياتٍ لم يعصرهن بعدُ بين ذراعيه.
فتَّشوه أوقفوهُ في آخر الصفِّ وصوَّبوا عيونَهم عليه بغِلٍّ نادوا على اسمه مرةً مرَّتين وحينَ لم يستجبْ لهم تركوهُ يمضي خفيفاً لا هدهداتِ أمٍّ تُثقلُ عليهِ ولا أدعية تشبكُ أكفُّها الصغيرة في ذيل ثوبه الذي يحفُّ التُّرابَ كلَّما مشى.
V في البردِّ عدَّ أصابعَهُ ( زرقاء .. ومُصفرَّة الأطرافِ )
أحكمَ غلقَ سترتِهِ على صدرهِ الضَّامر وشدَّ دخانَ سيجارته بحرقةٍ: يحرمُكِ اللهُ كلَّ راحةٍ يا التي تركتِني وحيداً.
VI لا لغة ولا كلامْ لا التَّنهيدةُ الحارقةُ وهْيَ تخرجُ مكسورةً من صدري ولا نظرةَ عينيَّ المهزومتين قدَّامكِ لا شيءَ ينقلُ حضوركِ فيَّ وجسمكِ لا تترجمُهُ الحروفُ.
قدمكِ وهْيَ تخطو يدكِ وهي تلمسُ القلمَ عيناكِ خلفَ نظَّارةِ الشَّمسِ شفتُكِ مضغوطةٌ تحت سنَّتيكِ الأماميتين شعرُكِ حين تهزُّه الرِّيحُ ويبتكرهُ الهواءُ صوتُكِ المبحوحْ غناؤُكِ الخجول وهْوَ يتدحْرجُ فوق الوسائدْ ضحكتُكِ التي ترنُّ في صمتِنا كعملةِ نقدٍ ممحوةِ الوجهينِ خفَّتُكِ وأنتِ تخبطينَ الأرضَ في خطوكِ الهشِّ ... ............ ......... لا لغة ولا كلامْ.
VII قالتْ لهُ أمُّهُ: لتكنْ تلكَ اتكاءتَكَ في البعيدِ صوتكَ الذي ترفعُهُ خفيةً في الظَّلامِ يدَكَ التي تبْطشُ بها الآخرينَ ودمعتَكَ التي تبكيها عليهم!
قالتْ له: أرِنِي يديكَ يا ابن بطني وبِكْري الذي سيكونُ سندي في القادمِ من الأيامِ أرِنِي يديكْ هنا طَبْعُكَ الذي ربيتَ عليهِ وعمرُكَ الذي كبرَ تحتَ عينيَّ كنبتةِ ظلّْ ندوبُ جسدكَ التي ارتكبتْها رعونتي بغفلتي عنكَ وسقطاتُكَ الخمس من فوق ركبتيَّ
هنا أسماءُ أخوتِكَ .. أبوكَ وأمُّكَ طينتُكَ التي عجنتْها الآلهةُ وصلصالُكَ الذي سوَّاهُ رحْمي فبحقِّ الذي في يديكَ دعْ عينيكَ معصوبتين وافتحهما خلسةً من تحت الغمامةْ مدَّ يدكَ لمن يسحبكَ في الزِّحامِ واسحبْهُ أنتْ
حين تقرصُكَ الوحدةُ في مكمنِ ضعْفٍ قوِّ قلبَكَ بندهةِ أمِّك وأَرِحْ كتفيكَ من تعبِ التذكُّر ولا تصف أحداً إلا بالذي فيه وامرأتكَ أنتَ ربُّها وراعيها فاجعلها فَرْشَتكَ وسترَكَ عن العيون اضربْ غرورَها برحمةٍ إن عصتْكَ وانهضْ لها إن دخلتْ عليكْ وإن رأتكَ تبصُّ إلى حُسن سواها قلْ لها: لي قلبٌ تحفُّ الصَّبايا إن مررْنَ بهِ وعينٌ مختومةٌ على الجمالِ فكيفَ أنهيها؟!
لتكن تلك اتكاءتَكَ في البعيد هذه الصفحة البيضاء ليس قبلها ليس سواها.
VIII مسَّتْ يده الباردة وهْيَ تتنهَّد نظرتْ إلى شفتيه كأنَّها تنتظر منهما أن يصفاها همَّ بالكلام حين شعر بعينيه تسبقانه: أنتِ ككأس النبيذ هذا أوَّلكِ مُسْكرٌ وآخركِ مرارة.
IX يلوي لسانَه كلَّ يومٍ ليفهمه الناس تنبت فوق شفتيه ابتسامات شاحبة وهو يربتُ على كتف نفسه يقولُ: غداً سوف أرى أمِّي.
X رغم تعبه رغم قدميه اللتين تئنَّان كمومستينِ أكلَ الغرباءُ لحمَهُما عُنوةً رغم قلبه الذي يهرولُ من سياط التَّدخين حطَّ رأسَهُ على فَرْشَتِهِ شمَّ رائحة شعر امرأته المنسدلِ جواره تنفَّس كلَّ الرَّائحة بكامل رئتيه أغمضَ عينيه الضِّيقتين وهْوَ يفتح فمه قليلاً بوسع حلْمة نهدها الذي يرقد هادئاً تحت كفِّه وضغطَ شفتيه في رقةٍ بدائيةٍ جعلتْ لسانَهُ المحمومَ يميِّز ما بين دمعه المالح الذي فاجأه وحموضةِ لبنها هذا الذي تخثَّر كجرحٍ على شفتيه تسعة وعشرين عاماً بكاملِها.
XI قالَ: كيف تركتِ محبَّتك الحرير كقبر وَليّ يحكُّ الأحبة أياديهم المدنسة على قطيفتها الزرقاء ويبتهلون إليكِ؟
يا بنتُ ردِّي فمي إلى طفولتِهِ وامنحيني بئريَ الأولى ضعي يدَكِ دافئةً بين وركيَّ شدِّي عليه واجعليه صلباً مثل ساريةٍ أنا سأفتحُ أوراقَ وردتكِ التي تنامُ هادئةً وأجعلها تزهرُ من جديد.
XII قالتْ له أمُّه: عندما تكون هناكَ في البعيد الذي لم أره في الظِّلِّ الغامق لامرأةٍ لا تشبهنا في البيت العتيق الذي تحرسُه الأشجارُ الغريبة والطرقاتُ الباردةُ المكسوَّةُ بالثلجِ نمْ وتدفَّأ بأنفاسي
يا ولد لا تحلم بامرأةٍ ليستْ ملكَ يمينكْ ولا تُهرِّب نظرتك تحت فستانٍ لم تشترهْ وابقِ عينيكَ مفتوحتين اتقاءً لغدرٍ. مارس 2004
(مصر) 



فلا تجد أحدا
كرسيّه في الرُّكن
يده هناك فوق لوحة المفاتيح
نبتاته الخضراء فوق ظلِّ المدفأة القديمة
رائحته لم تزل في بيچامته
كلُّ شيء في مكانه
سواه.
بالكعوب المدوَّرة كحدوات الخيل
بالكفوف المعروقة
وبالأكتاف التي شقَّها جدولان من شبق
وطئا بشرتكِ الخفيفة يا هدوم
الجدران شاهدة
الرَّغبة التي أعمتهما شاهدة
أرضيَّة الباركيه
والسجَّادة في المدخل
وكرسيّ الزِّينة
والكتاب المفتوح تحت النَّافذة شهود
المشجب في الرُّكن
وروب الحمَّام
والخفُّ البيتيُّ شهود؛
هو لم يلحظ الانتصاب الخفيف وهْو يبرز فوق نهديكِ يا بلوزتها
وهْي لم تر الانتفاخ البطيء
وهْو ينمو تحت يايكَ
يا بنطاله الملقى هناك
في آخر الطرقة!
التي طالما رفضتِ ارتداءَها
تنورتكِ الحرير
البيضاءُ ذات الزُّهور
تمشَّتْ معي في عزِّ مايو تحت أعين العابرينَ
كنت أضع كفِّي على ردفكِ الأيمن
وأصابعكِ الخمسة تنسلُّ إلى جيبي الخلفيّ
فيما بنطالي
الذي طالما رفضتُ ارتداءه
يموتُ غيرةً
فوق رفِّ الخزانة.
يعلو صوته بالصُّراخ والشَّتيمة
وتبتلُّ عيناها بدمع عاتب
يطوِّح كتباً وقناني وأكواباً على الأرض
وتنكِّس وجهها مثل راية خاسرة
يهرب إلى أربعة جدران تقيه مصالحة
وتصعد إلى فراش بارد
ينام فوق كرسيِّه
وتنام في سريرها مضمومة مثل جنين
فيما تظلّ في البهو
دمعة لم تتشربها السِّجادة الجديدة
ويظل صوت صرخته الأخيرة
يطوِّف في الهواء.
مثل شرْشفٍ على فراشٍ غادرتْهُ امرأةٌ
شجيٌّ
مثل ناي سقط للتوِّ تحت وجع الكمان
كان يحكي
وهْيَ
ترمقُ العابرين
بعين قنَّاصة في سَمْت الفريسة.
تغوص..
ثم تطفو لتغوص..
ثم تطفو
فتغوص إلى الأبد.
الثُّريات التي كنتُ أظنُّها نجوماً في الليل
الفراشات التي طالما طوَّفتْ حول شعلة سيجارتي في العتمة
خيوط الحرير الخام التي جمعتُها شرنقةً شرنقةً
كانت تصحو في الليالي الطَّويلة كي تشدّني منكِ
وتوقفني على عتبة من رجاء
عتبة وحيدة
لا من أجل أن يُغلق بابها في وجه قادم
ولا من أجل أن يُوارب أمام عطش عابر
بل من أجل أن يكون بيننا فاصل
أنا من خلفه أكتب
وأنت من أمامه
تطرقين.
يعلو صوته بالصُّراخ والشَّتيمة
وتبتلُّ عيناها بدمع عاتب
يطوِّح كتباً وقناني وأكواباً على الأرض
وتنكِّس وجهها مثل راية خاسرة
يهرب إلى أربعة جدران تقيه مصالحة
وتصعد إلى فراش بارد
ينام فوق كرسيِّه
وتنام في سريرها مضمومة مثل جنين
فيما تظلّ في البهو
دمعة لم تتشربها السِّجادة الجديدة
ويظل صوت صرخته الأخيرة
يطوِّف في الهواء.
قبل بيته
سيتهاوى فوق تراب الطَّريق
يحملونه إلى ركنٍ
ويسندون ظهره إلى حجرٍ
يكحُّ
فيفتِّشون جيوبه عن يرقةٍ اخترقت ضلوعه
وعطَّلت رئتيه
حين تحوَّلتْ إلى فراشة.
متبوعاً بفاصلة،
وتكتب العاشقة اسم عاشقها
متبوعاً بنقطة خاتمة.
هكذا الأمر إذن
تفضحنا أوراقنا!
السَّهم
الذي
غادر
للتوِّ
قوسه
المشدود
يا بنات
أنْتُنَّ الفرائس
وأنا الزَّارع الحاصد.
يغوص تحت كعبيكِ وأنت تدوسين حافيةً
كلُّ خطوة
أنفض عن صدري زهرةً مفتَّتة الأوراق
ونُدْبة.
ليس إلا..
رجلٌ في الطَّابق العلويّ
وامرأةٌ في الطَّابق السُّفليّ
يا لقلبكَ أيُّها السَّقف
كيف تتحمَّل أن تكون
بكلِّ هذه القسوة؟!
أن تكون قاسية القلب
هذه الفأس المرفوعة بيد الحطَّاب
يلزمها
أن يكون نصلها حادَّاً
وهْي تهمُّ بالسُّقوط كي تجزّ الشَّجرة
يلزمها أن تكون بلا مشاعر أصلاً
كي لا ترهبها رعشة اليد الخشبيَّة في كفِّ حطَّابها
تلك اليد التي كانت قديماً
غصناً
فوق الشَّجرة ذاتها.
التي التفَّتْ على ساق زهرتنا
فاقتها ارتفاعاً
ولم تجد ما تتسنَّد عليه
اعتقدنا في البداية
أنَّها تفعل ذلك حبَّاً في الزَّهرة
انظري الآن
ها هي تتأرجح منتشيةً في الهواء
والشَّمس في الأعالي
تحمرُّ خجلاً.
ويسقط مِنِّي مشجُوجاً وغارقاً في دمٍ قانٍ بين نهديكِ
رأسي ثقيلٌ من السَّهر والأرق والكتابة والنَّوم المتقطِّع والغناء والكلام
ونهداكِ ناعمان وملسوان ودافئان ومزدانان بحبَّات عرقٍ شفَّافةٍ
رأسي ثقيلٌ ومشوشٌ ومضبَّب الأفكار والأحلام
والرُّؤى التي تُخْرِجُ رأسَها لتنظرَ بنصفِ عينٍ من خلف ستار التَّذكُّرِ
ونهداكِ حنونانِ كأمٍّ
ومغناجانِ كمُومسٍ
وشقيَّان مثل طفلين تربَّيا في الشَّوارعِ
رأسي عجوزٌ سرقَ الأطفالُ نعليه من أمام عتبةِ بيتهِ
ونهداكِ طريق صخريٌّ
أدوسُ بقدميَّ الحافيتينِ على جمْرهما الرَّمليَّ
فلا أنا وصلتُ
ولا غَرُبَتْ الشَّمسُ. 
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()

مروان عبد العال في روايته «حاسّة هاربة» سمفونية النكبات المتجدّدة! يرصد الروائي – الفنان مروان عبد العال في روايته الجديدة «حاسّة هاربة» هول المأساة المتجدّدة التي حلّت كاللعنة على مخيم «نهر البارد» الذي سكنته «روح غريبة» زرعت فيه الموت والقتل والدمار.. ومثل سيمفونية حزينة.. تتردّد أصداؤها على شكل إيقاعات صاخبة، تتصاعد ألحانها وتعلو، وتتموّج، ثم تنخفض وتتلّوى بنبرة تراجيدية حادّة، يستعيد مروان عبد العال في روايته سيرة اللاجئ الفلسطيني في صيغتها الأكثر مأساوية، وألماً، واكتنازاً بالمعاني المضمّخة بكل أنواع الحوّاس الهاربة في لحظاتها الأكثر إشراقاً، وانكساراً، وتجلّياً، وعنفواناً، وحزناً.. لحظات تمتد في الحاضر المشرع على حلمٍ مشتهى.. وتوغل في الماضي القريب والبعيد لتستعيد ألق المعنى الذي فقد بريقه، بعد أن خلعت الفكرة رداء طهرها، وتعهّرت في سوق المزادات.. والشعارات الرنّانة.. وبعد أن باتت رهينة تلك الروح الشيطانية «الغريبة» التي سكنت جسدها، ونفثت فيه سمومها، فتناسلت قتلاً وتشويهاً ودماراً وأشلاءً حوَّل صفاء الأزرق إلى رماد كالح، وشاعرية الحلم إلى كابوس مرعب. لكأنما يرتلُّ عبد العال بسخرية سوداء مرّة مزامير حكايته (حكاية اللاجئ الفلسطيني)، التي لم تكتمل فصولها، على الرغم من كثافة ما تضمره تلك الحكاية من عذابات.. وأحلام.. وروائح.. وحواس.. ووجدانيات يتغذّى من نسغها ذاك المنفي الدائم من مكان إلى آخر.. يروي عبق أحلامه المغتالة، وانكساراته رغم إرادة المعنى، وهو يحمل صليبه على طريق الجلجلة الذي لم تَلُحْ تباشير نهاياته!
لا يبدو عبد العال في صوغه نسيج روايته متشائماً.. أو سوداوياً على الرغم من مأساوية المشهد.. ولا يبدو متفائلاً ذلك التفاؤل المجاني المؤدلج، بل هو يصوغ «جرح البارد» كي تبقى الأحلام منتصبة لا تقهر، وهو في هذا السياق لكأنه متيقن أن القيامة لا بدّ قادمة، مهما اتسعت الصحراء.. أو شوّشت مساحة الضباب مسار الرؤية. ينحو عبد العال في البناء المعماري السردي لروايته إلى تقسيمها على شكل مقاطع سردية، وكل مقطع منها تنسجم أفقياً وعامودياً مع البناء السيمفوني الذي جاء على شكل حركات موسيقية متناغمة، ومتدافعة تنساب وتتدفق وتتصاعد.. وتنخفض وتتلّوى في عملية مزج وترابط يندغم فيها الزمان مع المكان.. حيث تتداخل ذاكرة الماضي بآلام الحاضر وأحلام المستقبل في استرجاعات متتالية تستدعي الحنين إلى المكان الأول في القرية الجليلية.. والحنين إلى الحيّ الجديد (المخيم) المدمّر الذي يعيد تكرار المأساة (ويالسخرية القدر) بعد ستين عاماً على النكبة الأولى وكأننا في حركة دوران أبدي في الزمان والمكان، نعيد استنساخ آلام التجربة، ونراوح في «مصفاة النكبات». سبع حركات موسيقية يحمل عنوان كل مقطع من مقاطع الرواية، أو عنوان كل حركة من حركات السيمفونية السبع معانيٍ مجازية تكتنز بالدلالات، بعد أن تكتسي بالتفاصيل والظلال والألوان والروائح التي تنمُّ عن الروح التشكيلية الجمالية للروائي – الفنان عبد العال الذي يقف خلف هذا النص.. إلى أن يكتمل رسم ملامح المشهد. تبدأ الحركة الأولى بـ«ذات مغيب». يقول: «وُلدت هنا، في هذا الحي العتيق، في حارة النهر، حيث يلتف ذراع النهر ويلتقي مع الشاطئ في تشابك جميل على خاصرة المخيم.. نكمل رقصة » (التانغو) ونحن نعاشر حصاه اللزجة ونداعب نعنعه البري، ونستعيض عن الأصل، بنسخة منقّحة تستعيد شريط الوطن مع أجنحة النورس البحري الهاربة من الأفق البعيد، والشمس التي تغرب كل مغيب، ونحن نسأل أين تختفي خلف البحر؟». ذات روح تحمل الحركة الثانية عنوان: «ذات روح» لتروي حكاية الاغتصاب في نسختها الجديدة المشوّهة التي طالت جسد المخيم المنتهك بقوى الظلام العاتية «روح طارئة وغريبة، توسلت مأوى لها، فاختطفت جسد الحي. حتى أهله صار لهم وجه آخر». وفي الحركة الثالثة «ذات نهر» ترتسم الصورة الكالحة للخراب الذي حلّ في ثنايا الحي العتيق «لماذا استكان كي يذبح؟! لو كان جارياً يغسل ذاته من كل قرف، ومن كل ترسبات نفس بذيئة وروح خبيثة، لتجدّد واستعصى على الموت». لعل هذا المشهد هو ترنيمة نقدية ساخرة من الذات، صارمة وحزينة وموضوعية، لأنها لا تعلّق فشلها – كما جرت العادة – على مشجب الآخر، كي تهرب من مسؤولية المحاسبة ومواجهة الذات. ذات نار ترصد الحركة الرابعة «ذات نار» آلام النزوح المتجدّد.. والنكبات المستمرة «علامَ أبكي؟ على الأصل الذي خرج منه جدي وحمّلني دمه واسمه؟ أم على النسخة المصوّرة التي تحترق تحت الأرجل الآن؟». ويروي الكاتب في حركته الخامسة «ذات حلم» أحلام طفولتهم الهاربة.. تلك الأحلام المشحونة بطاقة الحياة «كنا نرسم ونعبث بالألوان، ولوحات غريبة جمعتها في خزانتي كأرشيف لطفولتنا». ذات تراب وفي الحركة السادسة «ذات تراب» يطفو طعم العلقم، حينما يستحضر قريته الجليلية المحتلة، وحكاية طعم تينها الذي امتدّ مذاقه في الزمان والمكان.. «كأني لم أعاشره نصف قرن، أو لم ألطخ وجهي بترابه يوماً، لو نطق هذا التراب، لروى لي قصة القتل التسلسلي.. (..) لو صاح التراب: أنتَ مني. لن أصدقه.. فأنا لا أعرف تراباً يشبهه، وُلد من حطب النار، وتجمّع في موقد كبير اسمه الحي النهري». ذات ماء وفي الحركة الأخيرة «ذات ماء» يختتم عبد العال سيمفونيته المكتنزة بالرموز، حيث تستعيد الألحان عذوبة أحلامها: »«امرأة مشتهاة، انقرض في قلبها القلق».. «تهرب نحو الحلم» ويؤكّد: «للحلم سلطة روحية نحتاجها كي نعزز الحب وتستمر الحياة«، فالحلم برأيه »متعدّد الألوان« ولكل لون معنى، كاختصار المسافة بين الحلم والواقع، بين عالم مشتهى وعالم مستعاد، بين الأصل والاستعارة. بين أن أحمي نفسي في مكان جديد، أو أستعيد المكان الأصل ذات يوم».
«حاسّة هاربة» هي رواية اللجوء الفلسطيني، وتجدّد النكبة، تختزل بلغتها الرمزية الرشيقة، المكثّفة، أحداث ستين عاماً من القهر والاقتلاع والتشرّد في بحثها «عن كف آمن وعبور من العنوان الكامل (لدياسبورا) الأحزان إلى مكان الإقامة الدائم في (ماسادا) أبدية». 
هوامش عشوائية
ليلى ايت سعيد
وبعد ............؟
يا سيدة الأطياف
والمسافات البعيدة
بلا اختصار ..
ايتها الهائمة
فوق نواميس احتضاري
وطن أنا
بلا ذراعين تنفضان عنك التراب
وبعد...............؟
يا سيدة احتمالاتي
الفقر في جيبي قصيدة
وجيب القلب بسكنه الخراب..
با سيدة الاطياف
دعيني اتوسد جسدك الأبيض قليلا
قليلا بعد....
فلا تسحبي عني وسادة الضباب
اجليني
اجليني بعينيك لبعض الوقت
لمفترق البعث
ارميني تحت اسوار السراب
وبعد..............؟
ماذا بعد ؟
وكل هذه الدموع
وهذا الوداع
ها يسكنني الفراغ
ايتها الهائمة في سماء اختضاري
فقي قليلا
تنحي قليلا
ها قد صرت الى جوارك
وطنا من تـــــــــــــــــراب .....







