عالم قٌد من كلمات تقاوم النسيان والصمت
وإن الكلمات لأقدر على القتل من رصاصة باردة..

مختارات لعبد الواحد استيتو..

 
 
                              شيء  يهم _ نص عابر
 
حاول ألا تبك. كن رجلا و افعلها. إعقد حاجبيك و زمّ شفتيك وقل للعالم أنك غير مبال. أنظر للجهة الأخرى حيث يلهو الآخرون معلنين أن النصر لهم. لا شيء يهم. بصراحة، لا شيء يهم. التكرار. الملل. كل الأحداث تتشابه. لذا لا تبال. أنقر بالفأرة على أبواب الأزياء و العارضات اللبنانيات الفاتنات. إفتح جريدتك الصباحية على صفحة الرياضة. اللاعب فلان بيع بخمسين مليون دولار. جيد. إسرق الجريدة  لتقرأ هذا الخبر. لا يهم – أيضا – أن تسرق. الكل يفعل. السرقة لم تعد عيبا. العيب ألا تمتلك سيارة ترش بها الآخرين في الأيام الماطرة و تحمل فيها العاهرات في فصل الصيف. العيب ألا تمتلك ربطة عنق. العيب ألا تقول "في الحقيقة" و " في الواقع".

مزق إجازتك. مزق "دكتوراتك". كن واقعيا و قاسيا. لا أحد سيهتم بك. لا تتابع "الجزيرة". إستمع إلى عمرو دياب. أرقص. إننا منتصرون دائما. لا تهتم ب"أبو غريب". تلك أشياء تحدث. حافظ على ابتسامتك وادهن شعرك بالمرهم واخرج إلى العالم مبتسما واثقا من نفسك مؤكدا أن كل شيء على ما يرام.

تابع المنتديات الاقتصادية على الشاشة. إنها مثيرة. يتحدثون فيها كثيرا عن الدولار. إذهب إلى المقهى. دخن سيجارتك. ضع قدما فوق قدم. إلعب " الطاولة". إهزم أعداءك و سبّ من هزمك. الحياة لا زالت مثيرة.

لا تنهض في الخامسة صباحا. الوقت لا يكفي. نم ما استطعت. النوم يزيد في وسامتك. جالس أصدقاءك في الحي. تحدثوا في الأمور المهمة. أنت تعلم ماهي: رونالدو، نانسي عجرم، و طبعا جنيفر لوبيز.

مات السلام. غاض الدم في الوجه. عرّوا عيوبنا. أصبحنا أكثر جمالا. و الأصدقاء لم يعودوا يبتسمون.

في الهند صوتوا إلكترونيا. الإنترنت عالم  تافه. لا تتطفل عليه. أمامك ألف تسلية. لا تقرأ الكتب. الكتب مؤامرة لتضييع الوقت.
إجلس مع الأصدقاء وارم بالوقت على قارعة الضجر.. بلا مبالاة.. بلا مبالاة..
دقيقة صمت 

دقيقة صمت هي كل ما تحتاجه. ربما أكثر قليلاً, لا يهم. تحتاج صمتك الصاخب. لن تصمت ترحماً على أحد. ترحماً على نفسك؟ ربما. الأهم من كل ذلك أنك تريد أن ترى الصمت.

في الماضي كان يمر من هنا. من هذا الشارع الضيق, بل إنه كان يحييك. كان الناس يحترمونه ويحيونه صامتين –هم أيضاً- كالأسماك. الصمت كان يُرى قبل أن يُسمع. في الثالثة زوالاً بالضبط كان يمر مخترقاً اللحظة, تاركاً وراءه التنهيدات العذراء.

ياه! كم تحتاجه الآن. أنت لا تطلب الكثير, فقط دقيقة. ليتهم يفعلونها لمرة واحدة من أجلك. لكن لا أحد يسمعك وأنت تصرخ بصمت للأسف. فقط صوت الجنازير والقنابل ومزيج من اللغط واللعاب المتطاير على الوجوه والسبابات الملوحة المهددة. صوت الدم, صوت الموت, صوت الأطفال الذين رأوا أكثر مما ينبغي. صوت القوة كذلك. كل الأصوات هنا إلا صوت الصمت.

الجيران الذين يرقصون على أنغام طبول العرس في الثالثة صباحاً. في مكان آخر تقرع طبول حرب. في الشاشة ترى لبناً مسكوباً. ترى أناساً يصرخون. تغمض عينيك كي لا تسمع/ ترى أكثر. ليتهم يصمتون جميعاً.

القطط تموء. الكلاب تتبادل شتى أنواع السباب. الذباب يطن في السادسة صباحاً. أبواق السيارات تحتج على لا شيء. السكارى يتشاجرون من أجل قنينة خمر رديئة.

أحلامك –حتى في نومك– ضاجة صاخبة. دائماً هناك مطاردة. دائماً هناك من يريد أن يمسك بك وسط تشجيعات الجماهير. سعاد تركتك لأن الكلب عض مؤخرتك. رجل يلوح بعصاه في أقصى الحلم مؤكداً أن ظاهرة النينو هي السبب. المتظاهرون يدوسون خدك لأنك لم تتركهم يمرون من الشارع الموازي للبحر الأبيض المتوسط.

الكتابة صمت. الصمت كتابة.

الأرض كلها تصرخ وتئن وأنت تحتاج ستين ثانية من صمت لن تجده.

                    

القنـــــــــــاص

قصة قصيرة

القناص رجل صعب المراس.

القناص رجل يطبق كتيب التعليمات بدقة.

 القناص رجل ينهض باكرا.

نعم، هو يحب النوم لأنه يزيد في وسامته. لكنه يدرك أن المهمة التي تنتظره دائما لا ترحم أصحابها. يجب أن تكون جاهزا في مواسم الصيد و في ساعاته المناسبة. عدا هذا، سيعيّرك الآخرون بالتأكيد و يسخروا منك.

اليوم، كعادته، استيقظ في السابعة و النصف صباحا. في الثامنة بالضبط كان يجهز عدة الصيد. بعد نصف ساعة، قبل أن يغادر، نظر إلى المرآة و ابتسم ابتسامة رجل راض عن نفسه.

هاهو ذا مكانه الذي يعشقه ينتظره. علاقة ود غريبة ولدت بينه و بين هذا المكان. فيه يمارس هوايته التي تحولت إلى حرفة. قلما يخطئ فرائسه من هنا. قلما تخطئ شباكه التي ينصبها ببراعة.

طلب قهوته الصباحية و احتساها بكل تلذذ. للقهوة أثرها الفعال جدا في مهمته التي لا يمكن أن تمارسها إلا بنشاط و حيوية.

هاهي ذي ضحيته قادمة في الموعد بالضبط. لقد راقبها لثلاثة أيام.

**               **               **

 النصيحة الأولى في كتيب التعليمات :  أهم ما ينبغي أن يميز الضحية، أي ضحية: الضــــعف.

...

القناص، بخبرته، عرف أنها ضعيفة، مهزوزة. باختصار، هي تحتاج إليه. قبل أن تمر أمامه بحوالي عشرين مترا تقريبا بدأ الحديث في هاتفه المحمول. سب كثيرا من عماله و تحدث عن ملايينه التي يجب أن يسحبوها لمنحها للزبون الفلاني. قال أشياء كثيرة في ثواني معدودة. الضربة يجب أن تكون سريعة وفعالة و فتاكة أيضا.

من نظرتها عرف أن أول طعم قد أتى أكله. من تلك الالتفاتة السريعة عرف أنه نجح.

في الواقع، القناص رجل يجيد عمله.

**               **               **

النصيحة الثانية: لا تطل فترة نصب الشباك. هاجم ضحيتك عند أقرب فرصة.

...

و الفرصة أتت متخفية كالعادة. كل الفرص تجيء على هذا الشكل. فوق رأسها عباءة بكل ألوان الدنيا حتى يستحيل عليك إدراك أنها كذلك. لكن القناص رجل يدرك جيدا ما يفعل.

كان المطر يهطل بشدة و كانت هي تسير بمحاذاة الجدران محتمية بالبراويز.

هنا، يجب أن نعترف أن القناص رجل فقير كصخرة، بل هو معدم. و لا بأس من إجلاء الضباب عن هذه الحقيقة أيضا: إن القناص يمارس حرفته من أجل هذا.

استطاع أن يجيد دوره كالعادة و حماها بمظليته و ابتدأ لعبته الأثيرة.

في المساء كان يجالسها في المقهى و يحكي لها عن كل الأشياء التي يمكن أن تجعله ضحية لا قناصا: الملايين التي لا تغنيه عن حنان يفتقده، زوجته التي لم تفهمه جيدا، أيضا عن الحادثة التي جعلته يبدو كأنه أعرج قليلا.

الضحية – التي لا تعلم أنها ضحية – امرأة طبعا. و النساء يحببن التعاطف بشدة خصوصا مع أصحاب الملايين.

في اليوم الأول دمعت عيناها لما يرويه.

في اليوم الثاني ربتت على رأسه بحنان.

**               **               **

النصيحة الثالثة: إياك  والتردد عند الوصول إلى اللحظة الحاسمة، أطلق رصاصتك بكل ثقة.

...

في اليوم الثالث قال لها أن كيد النساء – التي هي ليست من بينهن طبعا- عظيم. قال لها أن زوجته حجزت على أمواله بطريقة ما، و أنه يريد أن يدفع للمحامي لاستعادة كل أمواله و بالتالي إكمال حياته مع أروع مخلوقة في الوجود... معها.

أطرق برأسه و اصطنع دمعة تدرب عليها كثيرا. بكل بساطة، و كأي مسلسل عربي رديء، وعدته أنها ستحضر له المبلغ غدا. فكر أن الواقع يكون أكثر فظاعة من رداءة المسلسلات أحيانا.

**                **                **

النصيحة الرابعة: إياك أن تسمح للفرحة بالظهور على ملامحك. بعض الضحايا يكن ذكيات أكثر من اللازم فيدركن الخدعة.

...

القناص – و هذا ما لم نقله – رجل يحب أن يعبر عن فرحته دائما. هكذا، ترك ضحيته لدقائق و ذهب إلى دورة المياه، ثم إنه انفجر ضاحكا بصمت . قام بعدة حركات خرقاء و هو يواصل كتم ضحكته. بعد أن استنفذ كل مشاعره عاد إلى مقعده بجوارها.

فقط كان هناك فارق بسيط بين المشهد السابق و الذي يليه : لقد غادرت الضحية المكان.

أما الملاحظة الأخرى الأكثر إيلاما هي أنها أخذت هاتفه المحمول و محفظته التي كان وضعها فوق المائدة إمعانا في توريطها في الثقة به.

لعل القناص لم يقرأ جيدا النصيحة الأخيرة : لا تترك ضحيتك و لا ثانية. لا أحد يعلم متى يمكن أن تصبح الأدوار متبادلة.

...

بصراحة، القناص رجل لا يحفظ دروسه جيدا.

 لكنه مع ذلك، كما لا زال يصر البعض، رجل صعب المراس.
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


إن الكلمات لاقدر على القتل من رصاصة باردة ....... إننا ما نصير اليه .... اين عمري من هذا النسج الكلامي ...لا تخش أصدقائك ، ففي اأسوء الحالات يمكنهم خيانتك...