الفكرة: الحكاية الأولى: الحكاية الثانية: الحكاية الثالثة : الحكاية الرابعة: خبر عاجل: البداية:
الاربعاء, 17 اكتوبر, 2007
حكاية و وجــــــــــــــــع ..
ليلى ايت سعيد
بعد تفكير طويل..أجهضت كل مقول يؤكد فرضية أن أصبح قاصة.. على جدار من الصمت رميت آخر أوراقي التي اعتقدت ذات زمن غابر أنها ستصبح عقدا يقتنيه الجميع..أو اغلبهم على الأقل..خريف عمر قاحل يمر وأنا أتساءل كما تساءل قبلي رائد البؤس والضنك:
_ أين عمري من النسج الكلامي ؟؟ محض فكرة تبادرت إلى ذهني، هي المصائب وحدها من تتوالى علي تباعا لترديني صريعة الهم وكثير تطلع نحو غد بلا أنانية ؟ بلا اجسأد ؟ بلا قصص اسردها على عشرات الناس ؟؟ أين ما أدريه من كل هذا وأكثر ؟ وحده الصدق من لم يعد يدريني..وحده..
رأيتني أصارع نفسي على ركح الحياة المقيتة.. هي وحدها من تقبل أن يذرف على خشبتها كل أنواع دموع التماسيح.. وأشياء أخرى لا يعلم بها إلا الشيطان..
الغضب..الحقد..التقزز..ومشاعر غريبة عصفت بكياني وانا اجتاز الشارع العام إلى محطة الحافلات دون أن انتبه إلى إشارة المرور.. ليرتفع فجأة بوق السيارات المزعج الذي يصم الآذان مرفوقا بلعاب أصحابها المتطاير من كثرة السباب ..
هنا إن لم تسب وتشتم فلن تكون ابن البلد ..
وقفت.. تجردت من ماهيتي لهنيهة لا ادري كم دامت أو حتى كم ستدوم ..
حين تقطعت بي الأسباب رأيتني أحاول أن استعير بعضا من قسوة هذا الزمن وظروفه علي لأحكي حكاية.. فقط حكاية أعود من ورائها بثمن خبزة وكاس من نبيذ الفقراء ..
لتعيش على الأقل بوجبة واحدة غير كاملة في اليوم عليك أن تكون أقسى من المغرب الأقصى وحافلاته المتسخة النتنة المليئة بأصحاب العاهات والعقد الجنسية على اختلاف أعمارهم..
في محاولة غريبة وجدتني أحاول دحض فكرة التحرش بي من قبل احدهم، كان سني لا يسمح بان أكون ضحية.. على الأقل لن يفكر واحد منهم بالتحرش بامرأة في عمر جدته.. ولكن.. اللعنة..
_ كل مصاب بالكبت لن يرحم حتى جدته ..
هجست بشزر..
عموما .. هي لسيت المرة الأولى التي ازور فيها حافلة.. هناك دائما مرة أولى لكل شيء .. وعبثا كنت أحاول البحث في أشلاء الذاكرة الهرمة عن مرتي الأولى ..لاجدني اصعد الحافلة كالعادة دون كبير لامبالاة.. كل أهل المدينة صاروا يعرفون راوية الحافلات.. صار أمرا عاديا أن اسرٍد قصصي على الناس كما يسرد الناس قصصهم على عرافة بعد أن كنت اكتبها ذات زمن غابر على الورق..
اذكر أني تلقيت ألف وعد فارغ بان أرى أول مجموعة قصصية لي.. لكن الوعد تبخر كما تتبخر أحلام الفقراء والبائسين..
بجانب السائق وقفت كالعادة.. تطوع بعض الركاب وتنازلوا عن أماكنهم لي، فظلت الوقوف على غير عادتي ..
_ ايوا..ما غادي تسمعينا اليوم والو أخالتي فاطمة ؟
سألني السائق وابتسامة بعرض الحافلة ارتسمت على محياه ..
ولأول مرة اشعر أن كل الحكايات غادرت جعبتي وجعلت خيالي اللعين يبحث عنها كالأحمق هنا وهناك..دون جدوى
أشخت أيها الخيال عن إمدادي بم يسد رمق جوعي ؟ أتوقفت أيها الألم عن وخز قريحتي لكي تولد الحكاية من وجع القلب ؟اللعنة على قسوة الظروف البئيسة الحقيرة التي تتواطأ من الفقر لإنهائي.. تزايد لغط الركاب..الكل يصرخ مطالبا بالحكاية التي أبت أن تحظر، وكأنني أم عجزت عن إرضاع أطفالها..
تكلمت بعد صمت شعرت انه دهر..
سأتكلم.. سأحكي.. ولكن ما ا لذي سأبوح به لكم أيها المساكين؟ سأتلكم عن الحكاية .. عن الجسد المضرج بالدماء واللعنة ووجع الذات، أيها الناس من وجع القلب يولد الإبداع.. من وجع القلب تولد القوة والدموع والندم.. لكني ولدت من وجع الزمن والحب.. و ولد وجعي من كبدي الذي نزف ألما و…… فجأة صمتت.. توقفت عن الكلام..السبب ؟ لا اعلمه..دموعي كانت أقوى مني وهي تعبر دون استئذان كل اثر تركته أظافر الزمن على وجنتاي..
_ ومالك سكتي ؟
_ مادوش عليها..شرفت وتلفت ..
صرخ غضب الركاب في وجهي بعد أن نفد صبري وصبرهم..
قررت الصمت وغادرت ..
في طريقي تساءلت عن سبب عجزي في سرد حكايتي.. لم اعجز عن سرد هذه الحكاية بالذات؟ ألانها من الواقع ؟ وموضة الحكاية الآن أن يكون كل منجز قادما من غياهب وادي عبقر؟نوبة خوف لعينة هزت كياني وأنا أفكر..
_ حتما سأموت من الجوع إن لم استطع أن اختلق حكاية مقابل 5 دراهم أو اقل، اللعنة.. ربما هي سحابة فراغ عابرة..فلتمر بسلام..استخرجت صرة القماش البالية التي أخفيها بإحكام داخل صدريتي المتآكلة.. عددت الدراهم وأنا انظر ذات اليمين وذات الشمال مخافة أن يسرقها مني احد” الشمكارة” الذين استوطنوا هذه الحياة..راودتني فكرة سخيفة، أن اقتني جريدة.. علي أجد فيها حدثا ابني به ألف قصر فارغ في هواء المدينة المتسخ..
وأنا أحاول اختيار جريدة أعيد بهذا تنشيط ذاكرتي التي يبدو أنها شاخت..أثارت انتباهي مجموعة قصصية تحمل عنوانا غريبا: ” خالتي فاطمة ..حكاية ووجع ” لقاصة مغربية بدت شاحبة أكثر مني من خلال الصورة التي وضعت على الغلاف. تفحصت الثمن..20درهما..
د_اللعنة..لم يصعبون حتى عملية القراءة في هذا البلد كما صعبوا عملية العيش ؟
مشكلة.. من أين آتيهم بالعشرين درهما.. أتوقع أن تصبح دور النشر والتوزيع في البورصة، و ثمن الكتاب سيرتفع و ينخفض مع ارتفاع وانخفاض أسعار الأسهم..
_ حتى عملية القراءة سيطر عليها عنف الدرهم…
لمح صاحب المكتبة الكبيرة تطلعي اليائس بشغف إلى الكتاب.. كان شابا جميلا مهذبا من خلال ملامحه وطريقة حديثه إلى الزبناء..
_ أهلا الوليدة..اشنو حبت الخاطر ؟؟
فوجئت..لأول مرة أعامل باحترام ولباقة من طرف شخص محترم
خرس لساني وشدت يدي المتعبة على العشرة دراهم واليد الأخرى حاولت أن تطبق بإحكام على الكتاب، لكنها استكانت وتخلت عنه بألم..
أرجعت المجموعة إلى مكانها وهممت الرحيل لكنه طلب إلي أن آخذها ودون مقابل ..اعتقدت بادئ الأمر انه يمزح..لكنه مدها إلى بابتسامة هادئة وقال:
_اعتقد أن صاحبتها ستكون سعيدة بمن يرغب بالقراءة..فقط القراءة..
مددت إليه ال10 درهم، وأمام إصرار ما تبقى من كبريائي قبلها وطلب إلى العودة كلما رغبت بالقراءة..
حين انفردت بنفسي وبالكتابة كنت سعيدة جدا وأنا احصل على مجموعة قصصية منذ عشرين سنة.. ياه.. أقرا ؟؟..
هل سأتذكر كيف أقرا قصة..بعد أن نسيت طريقة كتابتها..؟؟
تم العثور على عجوز في الستين من عمرها ميتة في خيمتها بمكب نفايات المدينة..
العجوز المسماة فاطمة.. كانت تعيش وحدها بعد أن تبين هروبها من دار العجزة لما يقارب ال4سنوات..
وقد أفاد السكان المجاورون أنها كانت تتسول في الحافلات.. هذا وقد أكد طبيب المكب الشرعي أن العجوز قد توفيت اثر ذبحة صدرية، وقد عثر مع العجوز على مجموعة قصصية كانت بيدها تحمل عنوان ” خالتي فاطمة..حكاية ووجع ” ، ويذكر أنها المجموعة القصصية الأولى للقاصة المغريبة ليلى ايت سعيد ..
غالبت شيطاني وعجزت.. في قرارة نفسي أيقنت يقينا لا شك فيه أن ما سأقدم عليه لهو الانتحار بعينه.. شيء ما في داخلي كان يمزق تفكيري ويقذف بكل عملية رفض إلى قاع مسكون بالظلام واللاعودة.. حيت هناك تتبدد كل الأشياء وتتحول إلى لا شيء
صفعني شيطان الفكرة القاسية ألف مرة..
أحكمت خناقه..
انفلت..
في غير وعي صار يحكم الإطباق علي في عملية معكوسة، وصراعا كان علي أن اخسره كي لا اعي ما سأفعله..
وجدتني أشيح بنظري عن كبريائي المكلوم واصعد إلى الحافلة لأسرد ألمي حكايا على ركابها..عجوز تحاول خلق حكاية من وجع..
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








