عالم قٌد من كلمات تقاوم النسيان والصمت
وإن الكلمات لأقدر على القتل من رصاصة باردة..

أعلــــــن هدنة الفراق / مروان عبد العال

أعلن هدنة الفراق
 

 

                           مروان عبد العال

      

     لم أدرك أن البيت مثل كائن حي، يتنفس وينتشي ويحزن ويبكي  ويسافر, يحمل الأمتعة في أحشائه يلفظها كفضلات،ويطيب له الرحيل فيلوح بيده مودع ويمضي..أويضيق بي غضبا ويقذفني خارجا ويفلت من النوافذ متجاوزا قفل الباب الخارجي...

       يشهق مثل الكائن في الكون، بيت، يلبس الفراق والفراغ ويواصل السفر عاريا من الجدران ، التي خلعت ألوانها المصبوغة بنسق قميص عرس. ...ممهورا برشقة من لوحة زيتيه. ولا بيت يتشرد بلا ناس وأنفاس ، يتناثر على اطراف البلاد ، يتفشى في الهواء الموبوء يفسح بين الايدي مسافات حائره وسط عائلة راقصة على صهيل الاوبرا، تتلوى كأجساد تجري في الضباب و تركض فوق مسرح شاسع بأدخنة وأحصنة تسبح في خلفيات سرياليه ورقص جماعي لا تتشابك فيه الايدي مطلقا.. مثل التهام يشع بضوء محيط ويفوح برائحة رغبة بركانيه. فراشات تخفي وجهها باقنعة بيضاء ، تجوب فوق الطرقات وتلهو في أرجوحة العيد...

          لم أعد بعد...كأنني في بيتي الزائر الاول. خجلا من النظر اليه ، وكي لا أكون ثقيلا، سأرحل سريعا..زيارة بيت لساعات....إفتراض عودة صدقتها و كأنها لحظة شوق ملتهبه، تنقشع وتتبخر ساعة السلام على حبيب...

         أرحل  اليه, لايهمني ان كان موجودا أو ينوء من ثقل الحديد فيخر سجدا على ركبتيه. ما يهمني توقيت يقرره هو كي يطلب مني  موعدا للبقاء.  يعدني متى سأتوقف عن الدوران وأنا أجول عاريا بلا ستائره.. وبلا ابتسامته الساخره،أسوح على ما تبقى لي من أرصفه.

  شهيق يغادر رئتي، يحل بالهجر زفيرا فاسدا بعبق رطوبة قبر، وأستعيره من خلف نوافذ انيقة، وأستقر على وسادة ينقصها القدره في أن تبوح بمنامات ناعمة و الرغبة بأن تنزلق على مسامات وجهي .. و ماذا سأفعل بدفئها المشحون بوابل من نار  احلامي.

   كيف يلوذ المساء خلف الطين الهجين ؟ فيكون كحل عين يومي يحتل أجفاني  ويغتصب بفحشه زاوية النظر نحو ازرقاق البحر؟.......فيكون الوجه يشبه وجها رأيته مرة في صالون الاحزان والصباح كأنه مر على العمر برهة وغاب خلف المستحيل.
     عليك أن تخجل أيها البيت فقد تعبت ساعداي من حمل الحقائب. ولو مرة اجلب لي المرايا المحطمه والصباح الفيروزي بعد مغيب يعبق بنسيم الليل.

         ألم تقتلك الغربه؟  فكنت جرعة ماء في شدق  شاذ، يحمل ثأرا مدفونا من داحس والغبراء،أكتشف الحقد المزمن فيه بقايا ينبوع  يترقرق في حارة نهريه, شربك لعاب الموت غرفة غرفة، كي يبلل حلق النار الجبان. انهض بروحك من أجل إحتراق موسيقي  يلتهم  الاحلام اليابسه،  وأنا خائفا من طيفك الجميل، من غيابك ،لذا  سأفر بما تبقى من رائحة عطري الهاربة من إشتعال شراشف السرير و مكتبة مائله متفحمة وصور متدرجة كصعود على سلالم النكبات و لحياة تتهاوى متأرجحه.

      تعال إلي ضع رأسك على كتفي ،كي تستنشق  مرة أخرى واحة فرح في حياة مشبعة بزيف وحزن ورياء،  فأنا لا أقوى حتى على إلتحاف سماء مجهوله تتمدد على رصيف حياة رماديه . لأكتشف دائما أنها مجازية. مذهولا بأقدام تحط بي على منفى داخلي يسجل في الروح معنى اللامكان .

      قتلني المؤقت. وأن أغمس من حنانك بعض حبري...كل اقامة قابلة للانتهاء...كل رحلة تنتظر هبوط  في بلد.....كأني مرساة تمتد الى قعر البحر..واكتشف في جسدك المسحول الف جسد.. كل شئ غير قابل للتصرف، ولكنه حتما قابل للانتهاء..

       . محطات سفر ، إنطلاق وجري و توقف اضطراري على الطريق المتعرج و البيت المضبوط على منبه الساعة، يتأرجح فوق هدير الموج مثل برج سفينه  نسكنه بيتا لرحله ونغادره على ميناء الوصول..

  كي لا أغدر اقامتي مرة اخرى...فأنا لا اقوى على تحمل الخيانات.... لنوقع ميثاق شرف غير قابل للسرقه . الاحتراب بين المنفى الداخلي والمنفى الخارجي نعقد صلحا ملكيا بين الرحيل والبقاء ..كي ننال يوما شئ من ما يمكن ان يسمى بالبقاء... هنا أعلن هدنة الفراق ..نكتبه هذه المرة على قطعة ورق عابر لألسنة النار ..

      كل الأحذية الغريبه داست فوق عتبة البيت تخترق درع القلب وتركت بصمة لن تمحوها دمعة خجوله، والاذان الصماء مثقوبة طبلتهاوالسنة خشنة كالمبرد عقدت  في شدق الناطق الذي كان فصيحا، رائحة كريهة وبقع بشعة  لا تزيلها مساحيق السياسة و حتى أدوات التبرج الباريسي..دمغة عبريه  بختم السلطان العربي وفوقه توقيع مريب على جدار خلع جلده ولبس قناع همجي ،  حافل بالسواد وشاهد  سيبقى محفورا بسجل الذاكرة السوداء...

    ذاكرة بسبعة أرواح، متمرده .. نفذت بريشها و فرت من مجزرة الذكريات...لذلك لن تخذلني و تذيع إعلانا صريحا بموت شهي ومستطاب للحظة حب مقيم ولن يستهويها بعد أن  تبشر بوقف  لأطلاق الأحلام....

   قررت... قررت.. قررت

        أن أواصل الغناء بأحرف راقصة من فوهة الحزن تعزف لحنا صحروايا وتقرع على دف من صمت، أنين ضياع  بطعم المنفى الجديد وبنكهة غربة  برازيليه،،وتزف فرحا يتمايل  على ذاك الحنين...حتى لا تخمد في أعماقي حكاية عطش يستعر لهيبا بذروة المخيم.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


إن الكلمات لاقدر على القتل من رصاصة باردة ....... إننا ما نصير اليه .... اين عمري من هذا النسج الكلامي ...لا تخش أصدقائك ، ففي اأسوء الحالات يمكنهم خيانتك...