







حوار مع الفنان التشكيلي المغربي كمال المكوني
بقلم محمد أبو عيطة
الاحد, 09 ديسمبر, 2007
بعض أعمال الفنان المغربي كمال المكوني
يعتبر فن ماركيتري.. شبه مجهول عربياً أحياه فنان مغربي بلوحات تراثية.. يتم تنفيذ هذا الفن الراقي بألوان خشب طبيعية لا غير.. فقط الكولا والفيرني وألوان الخشب التي يقدر عددها تقريباً 200 لون..
بعيداً عن الألوان والصبغات، وبمكونات أوراق وقشور الأخشاب المتنوعة، جسد الفنان التشكيلي المغربي (كمال المكوني) حضارة المغرب العربي على لوحات فنية غير تقليدية، تحكي بالصور الخشبية المتعددة الألوان والأشكال، مشاهد من تراث الحضارة المغربية على امتداد عصورها، وأيضاً واقع ما تبقى من الموروث الشعبي التقليدي لأقاليم المغرب العربي، في إبداعات فريدة من نوعها، جمعت الواقع بخيال الفنان، ومهارة الحرفي الموهوب المتمكن من صياغة المكونات الخشبية بدقة عالية، ينفذها بما يعرف باسم فن (الماركيتري) وهو الفن التشكيلي غير المعروف بعد في عالمنا العربي، والذي هو في حقيقته فن تشكيل قشور وأوراق الأخشاب ومزجها لتتحول إلى مناظر مصوره على لوحات، تجعل منها قيمة فنية تشكيلية، تأسر خيال كل متذوق للإبداع برموزه الظاهرة والخفية، هذا الفن حاولنا أن نكشف بعض من أسراره وأسباب غيابه عن ساحة الفن التشكيلي العربي، بعد أن أسرتنا إبداعات الفنان (المكوني) بمحاكاتها تراث الحضارة المغربية التي جسد معالمها بدقه على لوحاته الفنية وهو ما دعانا لان نقترب أكثر من هذا الفن وهذا الفنان في هذا الحوار:
*قبل البوح بأسرار هذا الفن نريد أن نعرف عن قرب (كمال المكوني) الإنسان قبل الفنان؟
بكل بساطة أنا أحد أبناء مدينة فاس، التي ولدت بها سنة 1982وبين جنباتها ترعرعت، حيث أكسبتني دروبها الضيقة وما تحكيه من تاريخ لحضارات سابقة، وهو ما أكسبني عشقاً وحباً لكل ألوان التراث وروحه، التي تتجسد بوضوح في الزوايا المختلفة والأزقة والأسواق الشعبية، وحتى القرى البعيدة حيث لازالت الحرف التقليدية ماثلة للعيان، تربط الماضي بالحاضر، في تناغم قلما نجده في أبجديات واقع المدن الحديثة، وكان قدري رغم أنني لم أكمل دراستي، أن التحق بالعمل صائغاً للذهب، أحوله من معدن خام إلى مجوهرات، إلى أن كانت الصدفة البحتة عندما تعرفت إلى صديق أجنبي، كان يقيم بفاس، ويعمل مدرساً في المركز الثقافي الأميركي، ويدعى (فيليب كويرس) الذي لاحظ ميلي الفطري إلى الفن، وموهبتي الدفينة في القدرة على تشكيل المكونات الثابتة إلى عمل إبداعي، فوجهني إلى احتراف فن (الماركيتري)، وعمل على تلقيني[as1] طريقة الاشتغال بهذا الفن الجميل، ودرس لي مبادئه الأولى، حتى تيقن من فهمي إياه، وأصبحت مولع بهذا الفن، وتركت عملي كصائغ ذهب لأصبح صائغ خشب، بفن (الماركيترى) ودخلت هذا العالم من الفنون وأنا في سن الواحدة والعشرين ولا زالت.
حياة على اللوحة
*هذا الفن إلى حد ما يعتبر مجهولاً للكثيرين فما حقيقته، وإلى أي مدرسة فنية ينتمي، وما مدى انتشاره في العالم العربي؟
(الماركيتري marquetry) هو أحد الفنون التشكيلة، يتم الاشتغال فيه بتقنيات خاصة، وغالباً ينفذ على الخشب في شكل زخارف ورسوم، يتم تنفيذها بقشور الخشب الطبيعية، التي تجمع بألوانها وأنواعها المختلفة كما هي بدون نحت أو صباغة، ومن ثم يعاد تشكيلها للشكل المطلوب، وفق مخيلة الفنان وقوة إبداعه، وسبب تسميته بهذا الاسم يرجع إلى ماضيه، عندما كان القدماء من المغاربة والمصرين يستعملونه في الأعمال الزخرفية على الأواني وأدوات المائدة، وسمي (باركيتري) إلى أن انتبه إليه القائمين على المدارس الفنية في الغرب، ممن يبحثون عن تسيير الفن والإبداع لخدمه الإنسان، وعملوا على تجديده وإضافته إلى عالم الفنون منذ نحو ثلاثون عاماً، وتحديداً في أميركا وبعض دول أوروبا كإيطاليا وبريطانيا، وأطلق عليه تسمية (ماركيتري) يعني (فن حياة الواقع على اللوحة)، أما عن انتشاره في العالم العربي فإنه لازال غير معروف، وربما يرجع ذلك لأن العرب لازالوا يحافظون على مدارسهم الفنية التقليدية التي توارثوها وهذا الفن ليس من بينها، كما أنه مازال مغيب من أقسام كليات الفنون الجميلة في عالمنا العربي، على عكس الغرب فهو يحظى باهتمام كبير خصوصاً في إيطاليا.
ضوء وظلال
على أي أساس يتم اختيار ألوان وأنواع الأخشاب ضمن مكونات لوحاتك وما الأدوات التي بها تنجز عملك الفني؟
الألوان التي أستخدمها في لوحاتي جلها متعددة، أمزج بينها لخلق ألوان طبيعية محضة في اللوحة، تناسب موضوعاتها وتعكس الضوء والظلال، وذلك بحسب المواضيع التي أتناولها وهي في غالب الأحيان معمارية قديمة، مما يجعلني أختار من الأخشاب ما يغلب عليها طابع الألوان التي تعطي من يشاهدها الإحساس بالقدم والماضي، لأصل برسالتي الفنية إلى المتلقي من خلال الألوان والمكونات لكل لوحة، مع تواجد بعض الألوان الأخرى ولكن بشكل ثانوي، لأتميز في شغلي إبداعياً، ومن هنا يتبين لنا أن فن (الماركيتري) يختلف بعض الشيء حتى في تناوله للألوان عن الفن التشكيلي المعروف، أما الخشب فأنا اشتغل بعدة أنواع من الخشب، بعضها من السوق المحلي المغربي، لكن معظمها من السوق الإنجليزي الذي استعمل منه أنواع وألون متعددة من الخشب، مثل (مازكوي ـ أكجو ـ السامبا ـ خشب الأرز) وكثرة استعمال أنواع متعددة من الأخشاب يرجع لأنني لا أستعمل الألوان، وبالتالي كل نوع يعطى لون مختلف يفيد في تشكيل اللوحة، والأدوات التي أشتغل بها مختلفة بعضها يشبه أدوات الجراحة سكاكين دقيقة مناشير رقيقة بأحجام ودرجات متفاوتة.
سفير التراث
وما السمة الفنية التي تغلب على موضوعات لوحاتك؟
الرسوم التي نفذتها تنتمي إلى المدرسة الواقعية في التشكيل، وهي مستمدة أولاً من البيئة والثقافة المغربية، وأجواء المدن العتيقة من الأبواب التراثية والأزقة الضيقة ، وتصوير المهن التقليدية ومناظر طبيعية من فاس ومناظر من الصحراء، وهي غالباً موضوعات أرصدها بالعين أو الكاميرا، وأضيف إليها تعديلات وبصمتي الخاصة قبل أن أنفذها، واختياري لهذه المناظر هو غالباً من باب الإعجاب بها والرغبة في التعريف بحضارة وآثار المغرب وطقوس الحياة فيه، لكن عادة أخضع الرسوم لتنقيح وإعادة الصياغة حتى يمكن تنفيذها فنياً وتقنياً، وأحياناً هناك من يقترح علي موضوع يرغب أن أنجزه له لمعلمة تاريخية ومنظر طبيعي، ولكن دائماً أضيف تصوري الخاص ورؤيتي الخاصة وأجرب حالياً استلهام لوحات تجريدية وتنفيذها .
وما الرسالة التي تريد أن تصل بها لمن يشاهد أعمالك الفنية ويتذوق بحاسة النظر ملامحها وما ترمى إليه؟
يمكنني أن أقول أنني أخدم تراث وطني وحضارته على لوحاتي الفنية، لتبقى متحدية الزمن ليس فقط من خلال وجودها الفعلي وإنما من خلال أعمالي الفنية، فأنا أريد أن أرسل برسائل حضارية من المغرب إلى العالم، لأنني أؤمن أن رسائل الفن لا تموت.
ما هي نوعية زبائنك الذين يقبلون على اقتناء لوحاتك الفنية وما مدى اهتمام المتلقي العربي بهذا الفن؟
لا أخفيك سراً أن جمهوري أغلبه من الأجانب من الدول الأوروبية الذين لا يخفون إعجابهم بفن (الماركيتري)، الذي يرونه فريداً من نوعه حسب شهادتهم وانطباعهم، فهم يقدرون هذا النوع من الفن ويقبلون عليه مع تشجيعهم المطلق لأعمالي التي أحاول قدر الإمكان أن تكون أكثر نضجاً يوماً بعد يوم.. أما بخصوص الزبائن العرب فهنا المشكل لأنهم الأقل تواجداً، وذلك من وجهة نظري يرجع لسببين أولهما غياب التعريف لهذا الفن وثانيهم تفضيل اقتناء لوحات تشكيلية عادية زهيدة الثمن، قياساً باللوحات المنجزة بهذا الفن الذي يعتبر غالياً نوعاً ما بسبب اختلاف مواده الطبيعية ولوازمه وهو ما يزيد تكلفته..
فن الصورة الحية
المواءمة بين الصورة الحية وتجسيدها إلى فن (الماركيتري) هل تجد فيها صعوبة؟
كمبدع يمكنني القول بأن هذه المسألة يحكمها لدي قوه التخيل، ثم محاولة نسج ذلك الخيال على أرض الواقع في شكل لوحة، وهو أمر ليس بالهين وأصعب بكثير من أن تلتقط صورة متواجدة على أرض الواقع لأن الأولى تتطلب منك جهداً فكرياً أكثر تعقيداً من الأولى..
هل هناك صعوبات تواجهك كفنان وما هي طموحاتك في هذا المجال؟
في البداية واجهت مشكلة عدم إيمان محيطي بما أفعله، وقد احتاج الأمر مني إلى جهد كبير كي أحقق ذاتي وأثبت وجودي في مجال فني غير مضمون مثل الوظيفة أو ما تشابه، ثانياً هناك غلاء المواد التي اشتغل بها وندرتها في السوق المحلي، ثم هناك غياب مؤسسات التسويق والإشهار، فأنا اعتمد على إمكانياتي الذاتية المحدودة ومع ذلك اجتهد دائماً لخلق الجديد وابتكار طرق اشتغال بمواد جديدة، وأطمح أن انفتح على السوق العربي والمغربي وأن تكون هناك مؤسسات مهتمة تشجع الحرفي والتشكيلي.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








