عالم قٌد من كلمات تقاوم النسيان والصمت
وإن الكلمات لأقدر على القتل من رصاصة باردة..

برفقة القاص المغربي حسن ريــــــــــــاض.....

  دعما للمدونة، خصنا القاص المغربي حسن رياض وبكل تواضع _ بهذه الباقة من القصص المتميزة..وهي من  مجموعته التي قيد الطبع...  
قصص قصيرة للقاص المغربي: حسن رياض
مياه الأزل العميقة
 
 
 

استرخى المعلم على الأريكة، ثم قال بعد أن أطلق تنهيدة عميقة:

-بعد أيام قليلة ستجف الأرض.

وداعب ما تبقى من الشعيرات القليلة في مؤخرة رأسه.

ولعل زوجته قد شعرت بالحرج لأن المائدة كانت فارغة، فاتجهت نحو المطبخ وسكبت كأسا واحدا من الشاي وقبل أن تضعه أمامي، التقطه المعلم بسرعة، رشف نصفه وأعطاني النصف الآخر، لكني كدت أضع الكأس بعد رشفة سريعة وكان المعلم قد رمقني بسرعة حتى التقطته زوجته قائلة:

لو سمحت.

لماذا يحتاج المرء إلى الكشف عن قناعه الحقيقي وبتلك السرعة؟.

قمت وأنا حاسر الرأس بالعديد من الافتراضات، وما أن قالت وهي ترشف ما تبقى من الكأس.

"الله كم هو حلو"، حتى انتهيت وببساطة إلى فكرة واحدة انه الجوع، نعم إن الزوجين جائعين.

لقد كان معلمي الأول.

وعندما أصادفه في الشاهر أو في الملعب صبيحة كل أحد أفكر وهو يهز وجهه الضائع في جلباه القديم بأنه ينظر إلى الأمام بطمأنينة كبيرة، لأنه عرف وهذا ما يخمن فيه مرارا كيف خرج من تلك الأيام العصيبة بمنزل كبير دون أن يشعر أحد بذلك يشهد على ذلك عشرات الأوراق والتي رأيتها صدفة هنا وهناك وقد دون عليها الكثير من الملاحظات عن المصروف اليومي ونوعية التربة وكم يحتاج منزل من فئة مائة متر مثلا من الحديد والرمل والاسمنت وأجور العمال ونوعية الزليج والجبص والآجور وهو حين يتطلع إلى تلك الأوراق يشعر بدهشة كبيرة لا لأنه كان رفقة زوجته دقيقا في كل شيء بل لأنه كان يملك قدرا كبيرا من الشجاعة وهو يتقنع بعشرات الأقنعة.

ذات أحد قال لوالدي وكان يتمشيان باتجاه الملعب:

صدقني بعد الزواج مباشرة، لم أعد أعرف على أي جهة يدور العالم، وعما يحدث في البلاد، كنت أرفع راسي فقط كلما دار الحديث عن موضوع فكري أو سياسي وأجدني أردد مثلا وبشكل واثق.

نعم، لقد كان المهدي مناضلا كبيرا، سعد الله ونوس، مسرح التسييس، يا للرجل البارع، بعدها أخرج السيجارة الوحيدة التي أضعها قبل أن أخرج من البيت في ياقة قميصي الداخلي، أدخنها في صمت متقنعا بقناع الحكمة واللحظة المؤثرة تماما كما في مشهد مسرحي.

وضحك بصوت عال.

لكني وأنا أقف بجانب الوادي كنت أحس بأن صوته كان ضعيفا وبعد صمت قصير سألني كيف حال الوالد؟.

بخير.

لقد قضينا أياما جميلة فوق خشبة المسرح.

واستطرد وهو يحدق في كأس الشاي الفارغ.

المسرح، آه إني أتذكر الآن المشهد الأخير، قاعة المسرح الضيقة، الخشبة الشبه المنهارة وأنا أقف تحت الضوء الخافت وأمامي عشرات الأفواه وهي ننفث دخان سجائرها الرخيصة، لحظتها كنت أتقمص دوري الأخير، دور عاشق أو محبط، شعرت ولأول مرة بأني تخلصت فعلا من آلاف الكلمات التي تشبه صراخا في برية موحشة، عن تجريح الذات وعن البكاء والقضية الكبرى وفي نهاية المشهد وأنا أقف خلف الستار الأسود امتدت يد خطيبتي لتمسح عرق نهاية المشهد، فرفعت يدها عاليا وأنا أقول:

لا، لست عاشقا فاشلا، كما شاهد الجميع على الخشبة، أن أجمل ما في المشاهد المؤلمة هو أن تلتقط الأشياء النبيلة كما قال، ستا..ستا. ثم التفت نحوي متسائلا:

ما اسمه... ما اسمه؟.

تقصد ستانسلافسكي.

نعم نعم انه هو.

يومها كنا في بداية الطريق وقالت خطيبتي وهي تشد بيدي بأنها مستعدة للذهاب معي إلى آخر الدنيا، ثم وكعادته مضى مسرعا إلى غرفة جانبية وأحضر علبة صغيرة من الزليج وهو يردد:

نعم نعم إلى آخر الدنيا، لقد كانت امرأة صادقة، تصور رغم ظروفنا الصعبة، فقد اشترت هذا النوع الثمين من الزليج، وسيكون منظره رائعا في المطبخ.

وترك العلبة في مكانها واستلقى على ظهره للحظات، ثم نهض بعد ذلك وحمل العلبة واتجه إلى المطبخ ووضع الزليج على شكل أربع مربعات وتمتم وكان مأخوذا بلون الزليج الذهبي.

انظر، أليس منظرا رائعا؟.

لم اجبه، شعرت بالحيرة وأنا أتمشى وسط المطبخ الكبير، إذ كان فارغا ولا أثر للنعمة فقط ثمالات الشاي في بقايا كاس أو كاسين، وشعرت بالذهول أكثر حين دخل أبناؤه دفعة واحدة إلى المطبخ بعد أن تخلصوا من الكتب بعد أن قامت أكبرهم وكانت جد نحيلة بوضع البقرج على النار تحلق الجميع حول مائدة صغيرة ودون أن ينتبه المعلم إلى أبناءه أشار إلي بأن أتبعه، ويبدو أنه قد انتشى أكثر بإشارات الإعجاب التي كنت أبديها وأنا أحرك رأسي، وبفراغ المنزل الباهر، إذ ظل صامتا وهو يفتح لي أبواب الغرف الموصدة والباردة، وفي اللحظة التي تطلع فيها إلى الطابق الثاني انتبه إلى الصوت الذي أخذ يقترب من الباب الخارجي، فقال بعد أن أغلق أبواب الغرف التي فتحها للتو:

إنه المهندس.

وظل المهندس يردد:

هذه آخر مرة. لن نعثر على الطين أو الماء بعد الآن.

وفيما أخذ المعلم يفكر ويعد في مذكرة صغيرة خسائره قالت زوجته"أتمنى أن تجف الأرض ونعثر على أرض صلبة"، وعندما أخرج المهندس تصميم المنزل الجديد لم يستطع المعلم أن يخفي انفعاله، بينما ظل المهندس وكأنه يتعمد ذلك يتحدث عن أهمية البقعة التي سيقيمون عليها المنزل الجديد، بعد أن عاتب المعلم لأنه ظل صامتا دون أن يطرح أية أسئلة بينما كان المعلم بحكم تجربته الطويل في البناء يفكر وقد كبث انفعاله بأن لا جدوى من الحديث بعد تلك المسافة الطويلة من الحفر، وبأصابعها الدقيقة رفعت زوجة علبة الزليج، وبعد أن اختفى المهندس البلدي، أحضرت كأسين من الشاي وقليلا من الزيتون الأسود وقال المعلم بعد أن التفت إلى زوجته وبصوت خافت جدا:

نحن نخطط لبناء منزل ثالث، وبعد قليل سنزور المنزل الأول، ثم اختفى رفقة زوجته في إحدى الغرف، وبعد وشوشة قصيرة عاد المعلم وهو يقول:

لقد أخبرتها بأنك رجل كتوم.

وبعد الظهيرة بقليل كانا يسيران أمامي، قبل أن يفترقا.

وبينما هو يسير بجانبي وقد غطى رأسه بطاقية قديمة وعينيه بنظارة سوداء كنت أفكر بالانصراف، لكني شعرت بالخجل، وهكذا عبرنا مسافة طويلة ومتربة حتى بلغنا حيا حديث البناء.

قلت إنه حي هادئ جدا.

رد وهو يلتفت يمينا ويسارا

نعم وأنا أول من بنى منزلا هنا بعد جاري السوسي، وأشار إلى البناية الكبيرة التي بجانبه ثم أخرج المفاتيح وهو يتعوذ، وغاب لدقائق ثم عاد برفقة زوجته التي يبدو أنها قد عدلت عن رأيها، لذلك قال المعلم وهو يربت على كتفي:

لا بأس سنعود مرة أخرى.

وفي الطريق إلى البقعة الجديدة التفت إلى منزله ثم توقف فجأة وعاد نحوه مسرعا وبعد أن تأكد بأنه قد أحكم إغلاق الباب الخارجي، أخذ يطوف بالمنزل ويحدق طويلا وهو يتراجع إلى الخلف وأحيانا يتقدم أكثر يلمس الجدران الباردة بيده اليمنى.

قال وهو يعد بأصبعه المنازل المجاورة:

غريب تكاد تكون كل المنازل فارغة.

وحين تصنعت الدهشة متسائلا رغم أنني أكره هذا النوع من الحديث.

هل فارغة فعلا؟

أجاب على الفور

نعم إنها فارغة.

كان الزوجان يخفيان أشياء كثيرة وفجأة وكنا على بعد مسافة قصيرة من البقعة المبتلة حيث العمال وحرارة الصيف الرتيبة وقفت زوجته حائرة بين ثلاثة ممرات، لقد أينعت في ذهنها فكرة مدهشة، إذ اكتشفت وبمحض الصدفة أن كل ممر سيؤدي إلى أحد منازلهما، والرجل الذي تسمر خلفها وبدا هو الآخر مشغولا أطلق ضحكة منكسرة حين حدثته بعد خطوة واحدة بفكرة الممرات.

ها هما يتقدمان.

نحيلان إلى حد التلاشي.

وعلى مشارف البقعة المبتلة، وبحركة مسرحية ودعني الرجل ورفعت هي الأخرى يدها مودعة مع ابتسامة ازدادت شحوبا وهي تمسك بيد زوجها ذو الوجه المعروق كلما تقدم أكثر وأطل أحدهما دون أن يحدث الآخر عن المياه التي أخذت تتسع وتنبثق من بين دوائر الطين المبتل، حيث المياه التي بالكاد رايتها في وجوههم المعروقة.

قبل أن أراها على الأرض.

راكدة وهادئة.

كمياه الأزل العميقة. 

  

           تفاصيل سريعة       

 

           

  ـ 1 ـ

وأخيرا جلس الشاب

على يمينه رجل عجوز  وامرأة بدينة ، وقبل أن يجد مكان شاغرا للجلوس

قبالة الممر المؤدي إلى غرف المستشفى حيث يموت الكثيرون تحت وطأة الإهمال و الألم دخلت امرأة ، قالت الممرضة وهي تحاول طردها بأنها تحب صراخ الأطفال بقسم الولادة.  بائع الحصير ، لم يصدق أذنيه ، والمرأة البدينة  تعودت قبل أن تعتدل واقفة .

ومر وقت طويل قبل أن يأتي الطبيب .

على يسار الشاب رجل طويل القامة قال للطبيب وهو يضع يده على صدره،

أنه يشك في مرض السكر .

وبعد ذلك أخرج علبة السجائر ، لم يتردد الطبيب في أخد واحدة ووضع الأخرى في فمه. وقالت المرأة البدينة  بأنها تشك في الملح .

وقال العجوز ذو الوجه النحيف إنه يشك في القلب .وغاب  الطبيب قبل أن يعود ثانية إلى مكتبه ، ليشرب الشاي ويدخن في هدوء وعيناه عالقتان في البلهاء وهي تتحسس بطنها شبه العاري وتفكر في العمل ، وصراخ الولادة، وفي الله مالك السموات والأرض ومانح الخصوبة ... .

ـ 2 ـ

فوق الإناء المعدني كأس قديم ، والإبريق الصغير خلف الكأس الذي راح الطبيب يرفعه ويشرب منه بهدوء .

هل شعر برغبة في الشرب ؟ أم في الخروج من الغرفة التي يخترقها الألم من كل جانب،  وبعد أن رأى بندول الساعة اليابانية أشار من النافدة إلى أحد المرضى .فقام المريض وخلفه زوجته الحزينة .

ـ3ـ

ما علاقة السقوط بالجن ؟

تساءل الطبيب :

لا أدري : ربما يكون مصابا  بمس ما إذ في كل ليلة يسقط من السرير وهو يغمغم لوحده.  ردت الزوجة بعد أن خرج زوجها المريض لإحضار إبريق من الشاي .

تعود الطبيب ثم أخد يتمشى خلف مجموعة من الأطباء وهم يعبرون أروقة المستشفى المليئة بالمرضى،  وتحت ضوء النهار وعلى مقربة من الممر ، وقفت ممرضتان .

قالت إحداهن بعد حديث طويل عن الذهب ونوع الأثوبة التي ظهرت  أخيرا .وعن السحر والسحرة وخذلان الرجال .

ـ غريب .حتى الممرضات الصينيات أصبحن يتهافتن على الرشوة .

ردت الأخرى بهدوء

ـ نحن الذين علمناهم ... أليس كذالك ... ؟

 

ـ 4 ـ

ترك الطبيب الإبريق مفتوحا و أخد يتأمل حبات الشاي وورق النعناع ، قبل أن تتم وبشكل بطيء عملية التحول ، وقبل منتصف النهار ، خلع بدلته البيضاء وربطة العنق التي تثير كثيرا من مشاعر الخوف في نفوس المرضى واتجه إلى أقرب حانة ، ومع الكؤوس الأولى وبين اليقظة الماكرة والتنسل الثقيل وهو يزحف بين أطراف الجسد تمنى أن يتحول بسرعة .

 

*       *          *

ـ 5 ـ

أخيرا وقف الشاب .

كان مكتب الطبيب مفتوحا وعلى المكتب الأبيض رأى ملفه الطبي والممرضة تشير له بأصابع يدها بان الطبيب سيعود فورا . والرجل الطويل اتكأ على صور المستشفى بجانب العجوز الذي أخرج السبسي وصرة الكيف .وفي ما كانت المرأة البدينة تتهيأ وبصعوبة للوقوف ، عبرت امرأة حامل الممر ، متجهة رفقة ممرضة أخرى إلى قسم الولادة ، فخرجت البهاء قبل أن تجهش بالبكاء وتحدق مرة أخرى في مالك الكون ومالك الخصوبة.

 

                                      

ثلاثة وجوه

 

هل رآها بعد ذلك اليوم؟

كنت أقول لنفسي لعل الرجل قد مات أو امتصته الأرض كما تمتص الماء جرعة وراء أخرى، لكنه ظهر فجأة واختفى بعد ذلك.

كان صديقي يهدي لوحده قائلا وهو يتأمل سحب الماء الهاربة "انظر إننا هكذا... مثل هذا السحاب العابر".

ولم أجادله، تركته يلغي لوحده وتهت بأفكاري نحو البعيد، كان الرجل الثخين يربت على جبين الناقة العريض ويشد الحبل المجدول نحو الأرض وكأنه يأمرها بالجلوس، وفجأة أخذ الناقة نحو جهة مظلمة وربط الحبل الخشن في صخرة كبيرة وتركها هناك وتوغل في الظلمة الكثيفة، كان الباب مواربا، أحست بخطاه ولم تلتفت، تركته يحوم حول البيت كالطائر المهاجر الذي عاد لتوه من بعيد وقد غامت من حوله كل الأشياء، وكان تنور النار كعادته خارج البيت، والبرقج الأسود يطلق دخانا ساخنا، والبيت من بعيد يبدو كخم الدجاج، تنحنحت المرأة وخرجت، رآها فاهتز قلبه وراح يعدو نحوها... رأت ظله من بعيد وهو يقترب فاقتربت، سألته في دهشة.

- منذ متى وأنت تنتظر؟.

- منذ لحظات فقط...!

كان زوجها يسعل بشدة فأخذت التنور الطيني ودخلت، كان رأسه مطأطأ نحو الأرض، واللعاب يسيل من فمه وقد تهدجت أوداجه وشحب وجهه، ناولته جرعات متتالية من ماء ساخن، مستخلص من طبيخ أعشاب برية فأخذ فمه بمنديل وسخ وهو يلعن الأطباء، قال لها يوما:

"إن الأطباء هم رأس البلية ولولاهم لما حصل الذي حصل".

وكانت زوجته تمسح جبينه بيديها الجميلتين، إلا أنها توقفت فجأة وكأن تيارا كهربائيا قد مسها فالتفتت بهدوء نحو باحة الدار.

كان الرجل واقفا، اخبرها بإشارة من يده بأن صبره قد نفذ، وبأن الريح قوية في الخارج، فتنهدت وهي تتقدم خطوة وراء أخرى خارج البيت بعد ما أطفأت النور:

*   *   *

قال الرجل:

- هل تذكرين...!

- ماذا... ؟

امتقع وجه الرجل ثم أضاف، وكأنه يحدث نفسه:

- بالطبع لا تذكرين... لقد مضى زمن طويل... !

وكعادتها. خلدت إلى الصمت واكتفت بالنظر إلى السقف وهي تتأوه.

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


إن الكلمات لاقدر على القتل من رصاصة باردة ....... إننا ما نصير اليه .... اين عمري من هذا النسج الكلامي ...لا تخش أصدقائك ، ففي اأسوء الحالات يمكنهم خيانتك...