الإبداع والتجميد في حكايات من زمن الحب والجليد..
في عمق النسيان.. ثمة ما يستحق ...
لم يكن برترند راسل كاذبا حين قال صدقا أو اعتباطا:
" في كل الأحوال، من الصحي بين الحين والآخر أن تضع علامات استفهام على الأشياء التي كانت ثوابت على المدى الطويل"
حين نتأمل دواخل حياتنا الصغيرة جدا والعميقة كثيرا نجد أن كثيرا من الأشياء لا تستحق فقط علامة استفهام بقدر ما تستحق علامة إلغاء وحذف.. أشياء اعتقدنا على المدى الطويل من عمر حياتنا الهستيري أنها أشياء ذات أهمية، أشياء تستحق ما تستحقه من ذلك الاهتمام، أو حتى أن نخصص لها ذلك الحيز المقدس من خط حياتنا المستقيم...
ولم يكن فيصل الخديدي كاذبا حين قال في تقديمه لمعرضه ثمة ما يستحق:" إن الإنسان متى ما هبت عليه رياح النسيان فإن الأثلجة والتجميد هما البديل لكل ما هو قيم.."
إن الملاحظ والمتفحص لتجارب الفنان فيصل الخديدي والقائمة على عملية التجميد يلاحظ أن ما تم تجميده ليس بالضرورة أشياء تستحق التجميد في واقع معين، لكن بقليل من التمعن نكتشف أن ما يسعى الفنان فيصل إلى تجميده ليس ظواهر الأشياء بقدر بواطنها، هل يحاول تجميد اللحظات السعيدة لكي لا تطير عبر رياح النسيان؟؟ هل يحاول أن يجمد المشاعر الجميلة التي تركها الإنسان تباعا في عالم الصدأ ورحل بعيدا؟؟ أم يحاول بكل بساطة اختراق هذا الواقع اللعين، الغبي ، المستعصي على الإمساك والمنفلت من دائرة البؤساء كما تنفلت الذكريات من الذاكرة في مرحلة عمرية ما؟؟
يحاول فيصل الخديدي من خلال تجربته الجديدة القائمة على عملية التجميد، أن يعكس فكرة أساس مفادها أنه بالفعل ثمة في عالم النسان ما يستحق التجميد بكل ما في التجميد من معنى، من خلال معرضه الشخصي الذي كان مؤخرا تحت عنوان" ثمة ما يستحق"..
يضم معرض "ثمة ما يستحق" أفكارا جديدة، وجميلة، فيها خليط من الاتجاهات التي تحس حين يأخذك النظر إليها أنها لا تعكس إلا صورتك أنت، أو ربما لا تعكس إلا ذلك الجانب من حزنك الذي كنت تفكر طويلا كيف تتخلص منه.. ليأتي فيصل الخديدي بفكرة التجميد لأشياء هي في العمق العميق تستحق التجميد، وعن طريق اللدائن البلاستيكية ومادة بلاستيك يطلق عليها علميا أوفنيا " ريزن" جاءت أعمال فيصل الخديدي معبرة عن كثير مما لا يمكن للنسيان أن يطويه بتلك السهولة والبساطة الممكنة..
**الحفاظ على السعادة في ثلاجة ثمة ما يستحق..
تظم أعمال الخديدي تمردا على مستوى الفكرة، فهو حين يجمد اللعب ويجمد صور الأطفال الصغار وبالضبط صور ولعب أبنائه، نجده يحاول أن يجمد اللحظات الجميلة في الزمن، كي لا تنفلت منه،- من الإنسان بصفة عامة- لأن الإنسان مع مرور الزمن يبقى حنين العودة إلى مراحل طفولته أمرا يرافقه كل عمره.. من هنا يمكن أن نستنتج محاولة فيصل للحفاظ على لحظات عمرية جميلة وتجميدها زمنيا، فنجده يحاول ما أمكن تجميد اللحظات السعيدة كي يعود إليها كل حين، حيث نراه يبقيها عالقة في الزمن وفي الذاكرة لا تمحى ولا تعرف النسيان، وبالتالي فان فيصل الخديدي هنا يعمل على تجميد المستحيل في زمن لا يعرف إلا أن ينطلق بسرعة نحو الأمام متجاوزا بسرعة البرق كل اللحظات الطفولية الجميلة في حياة الإنسان.. تجميد لمرحلة عمرية تستحق الذكرى والحنين.. والمتمعن للأعمال التي تصدح برائحة الطفولة يكتشف أن فيصل يحاول أن يمتلك اللحظة ويمارس عليها عملية أخد معاكسة من الزمن، إنه يحاول أن يبقي ما يملكه ملكا له عن طريق تجميده.. والحفاظ عليه لأطول مدة ممكنة بل وجعله لحظة خالدة ثابتة لا يواريها الزمن بلحظات أخرى، من هنا نكتشف أو ببساطة القول نستنج أنه يعطينا طريقة جديدة لنحافظ على ما نملكه، إنه التفكير الذي يجعل ما نفرح من أجله ملكا لنا، ولذاكرتنا مهما هرب الزمن وحاول جعل ما نملكه منفلتا من هذه الذاكرة.. فثمة ما يستحق التجميد في حياة الإنسان من أجل الإنسان نفسه.. ومن أجل لحظات سعادة قد لا يتبقى الكثير من الوقت حتى للمرور عليها مرور الكرام في عصر السرعة ودموع التماسيح...
**قلوب تحترق برودة...ثمة ما يستحق..
نبض..نبض.."
مازال في العمر نبض
حين تكثر أكوام الركام وأعمدة الغمام علي أن أعلم أن هنالك بعض من نبض السنين يتربع فينا.."
هكذا أخبرني فيصل حين سألته عن شيء ما من سؤال ما في حلقة ما من حلقات التجميد المتوالية..رجل الثلج يحاول جاهدا أن يبحث عن طريقة يجمد بها نفسه.. هنا وجدتني أتساءل بعيدا عن أعين فيصل المتطلعة إلى ما وراء الوراء، كيف يمكن للإنسان أن يجمد نفسه؟؟ لم انتظر الإجابة طويلا لأني وجدتها في بقية أعماله أو بالأحرى في بقية مجمداته، هذه المرة هو لا يجمد الأشياء من أجل أن يحافظ عليها من النسيان، وجدت أنه يجمد ما يجب عليه أن يجمد في قلب الإنسان وحياته، يجمد كل المشاعر الجميلة، هذه التي تحولت إلى ركام تدروه رياح الامبالات.. كيف نجمد قلوبنا الصغيرة ونقول للآخر تعامل كما تشاء فنحن صرنا كما نشاء؟؟ بل كيف وصل فيصل إلى هذه النوع من التجميد؟؟
حين تتمعن من جديد أعماله تجد أنها عالم من المتناقضات المجمدة، المضغوطة في قالب بلاستيكي إما يحميها أو يمنعها، كل عمل بحسب دلالته وأبعاده التي تختلف من وجهة نظر إلى أخرى، في أعماله تجد الحب يقابله الكره والخداع ومشاعر أخرى مبهمة يصورها لنا من خلال العيون المجمدة التي يمكن أن تكون مخادعة أو صادقة، ما يعني بذلك كومة من المشاعر الموقوتة التي تخبئها أعين كالتي اختارها فيصل دالة على المعادلة.. نرى أيضا في مجموعة أعماله المجمدة النسيان مقابل التذكر، في عملية تجميد اللحظات الجميلة لمراحل عمرية من حياة الإنسان، وبالضبط مرحلة الطفولة، ويمكن هنا أن نظيف إليها تجميد أشياء أخرى في مراحل العمر قد لا تشكل بالضرورة جزءا من السعادة، لكنها خلقت بطريقة أو بأخرى لحظات سعادة لذيذة، وهنا يمكن أن أقول أني أتحدت عن تجميد البحوث والرسائل الجامعية بالإضافة إلى تجميد المخطوطات والكتب، فلحظات الدراسة بالرغم من صعوبتها تبقى لحظات يشتاق الإنسان إليها كل حين، أو كلما هم مثلا في عملية بسيطة بتقليب ألبوم الصور الذي يخبأه بإحكام في زوايا ذاكرته المنفلتة.
نجد أيضا في أعمال فيصل الخديدي الحديث مقابل التقليدي في اللوحات التي جمدت فيها لوحات مفاتيح الحواسيب مقابل تجميد الكتب والمخطوطات، حيت عصر التكنولوجيا صار يضغط كل ما هو ورقي بامتياز، نجد أيضا الغموض مقابل البراءة.. الغموض المتمثل في صعوبة معرفة نوايا وبواطن الإنسان، هذا المخلوق الغامض بطبعه وطبيعته، والذي مثله من خلال مجموعة من الأعمال كصورة الجيوكندة لدافنشي، هذه المرأة الخالدة التي لا تعرف إن كانت تبتسم في وجهك أو تحقد عليك، إن كانت تبكي من أجلك أو تبكي من أجل نفسها، إن كانت تنظر إليك أو تنظر إلى غيرك موهمة إياك أنها تنظر إليك....الخ، مجموعة من المشاعر والأحاسيس الغامضة التي اختزلتها هذه اللوحة الشهيرة، ولعله الغموض ذاته الذي يشكل طبيعة الإنسان، حيت يمكننا القول بأن دافنشي قد أفلح في نقله واختزاله بدقة غامضة في لوحة الجوكندة الخالدة.. والذي أفلح فيصل الخديدي في تجميده، محاولا بذلك تجميد مشاعر الإنسان وتصرفاته الغامضة تجاه نفسه وتجاه بني جنسه.. في مقابل البراءة بكل تشكلاتها التي صورها لنا من خلال مرحلة الطفولة و تجميد اللعب والرسومات...
إن المتمعن لتجربة فيصل خالد الخديدي " ثمة ما يستحق"، يجده في كل مجمداته يحاول قدر المستطاع _بل وأفلح في ذلك عن جدارة_ تجميد اللحظات الشعورية، بل وتجميد الحالات الإنسانية، إنه باختصار تجميد المشاعر في لحظات معينة، تجميد الخوف والفرح والبؤس...الخ، كلها حالات إنسانية تستحق التجميد إما لحاجتنا إليها أو لأنها تؤلمنا ويجب التخلص منها بتجميدها، كل شيء في عالم فيصل الخديدي تجاوز المستحيل في عملية التجميد، كل شيء قابل للتجميد مادمت الحياة على الأرض قد تعرضت للتجميد في مرحلة سابقة من مراحل حياتها… وعلى المتمعن لأعمال فيصل الخديدي أن لا يكون متمعنا وقارئا مسرعا بقدر ما يجب عليه أن يكون بقليل من الذكاء سريع الفهم.
وبالتالي نلاحظ أن فيصل جمد شيئا يستحق التجميد في حياة الإنسان، أو بكل بساطة نجد فيصل يحاول أن يوصل عن طريق مجمداته فكرة مفادها أن القلوب الإنسانية تختلف وأن ما يستحق التجميد أيضا يختلف من إنسان إلى آخر شكل تعدد الأفكار والطبائع و الأوجه والمشاعر والأقنعة التي يحب كثير من الناس ارتدائها في الأوقات الخطأ دائما..
في أعمال فيصل نجده جمد أشياء كثيرة كتجميده الأوجه التي تحمل ذلك الحب المقدس، أو الحقد المقدس أو حتى البراءة المقدسة...
فيما يجمده فيصل يدعو المشاهد إلى أن يكون شاهدا ليس فقط ببصره وإنما بأحاسيسه، وأنت حين تلمس أعماله أو حتى تفكر بوضع يدك عليها ينتابك شعور غريب، وكان البرودة سرت في بدنك كله، تجد أن أعمال فيصل تقول ما قاله نتشه يوما: "لا يعجبنا الجيد حين لا نكون في مستواه، لكن بقليل من التمعن نجد أن ما لا يعجبنا في الحقيقة هو السيئ لأننا لا نستطيع أن ننزل إلى مستواه"، هكذا هي أعمال فيصل، تجربة جديدة في عالم الفن، تقول بأن ما لا يعجبنا في الحقيقة إن قسرا أو اعتباطا هو ما يستحق التجميد،
لكن ما يثير الدهشة وما يبدو جميلا في الموضوع أن كل شيء في عالم فيصل الخديدي قابل للتجميد، إن بمادة اللدائن البلاستيكية "الريزن اوفينا" أو بأي طريقة أخرى، فقط لنكتشف أن في عالم هذا الفنان التشكيلي "الحب والجليد".. ثمة ما يستحق الحياة.. ثمة ما يستحق الذكرى، ثمة ما يستحق النسيان.. وثمة ما يستحق الحلم.. هل يمكن أن نجمد أحلامنا الجميلة لنحافظ عليها ونجمد كوابيسنا لننساها أو لأنها فقط تستحق التجميد؟؟؟ ما المانع مادام كل شيء يستحق في عالم "ثمة ما يستحق" ؟؟
الخميس, 04 يونيو, 2009
...فيصل الخديدي
بقلم: ليلى ايت سعيد
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








