أطوف بالليل و يأس النار في خاتمة الجسد.. أطوف بميراث المفقودين .. و أخرج من قناديل الارتياب واثقا .... أطوف و أكتئب و أستنفر و أنحني . أتوهّم و أستيقن و أستلقي و أعتزل و أندم و أبكي و أعتصم و أسيل و أتفتّت وأنجذب و أتمازج و أتقاطع.: و أبتعد و أمكث و انتحر و أتخلّق و أتوتّر و أتدافع و أنحسر ...... و يستفرد بي الخمر و الجزع..و أنفرد .. و أكتشف أنني أخدع الباب و الساقية.. أدور في الماء .. أفصل .و انفصل .. و تحركني اسماك من طين.. أرى الطفل يسير في الفجر .. ينحدر من كفيه النوم و حليب البلابل .. أثمت قلب يعتم في الظهيرة؟ أدخل مملكة الأشجار .. أدخل امرأة تخلبها فحولة البحر.. و تنشب شهوتها في وحشة السواحل و في أظافري .. كتيبة أرجوان تهاجم الخلوة..و تهاجم القبلة .. افتدي بالخالق المخلوق و ألاعب أحفاد ا لم يرثوا الأرض .. و فجأة أسقط في الليل ... و يهتزّ الندى في الخصلات .. لـــــــم أكن يوســف... واقفا وسط حياتي أرى مصباح يطل من صفحة بيضاء . أرى من يذوي في لمح البصر .. هناك خيط من الغربان يقع على الشاطئ ..و ما يحدث كان سوى ما سيحدث منذ انفصال التوأمين في قاموس الندى ... كان يطوي يديه على خيوط أكثر نعومة من يوم مسوّر بالرغبة البيضاء بصمت لا يدلّ على مكان .. ,, و كنت أراك في عريك الجانبي تتركين ثيابك في المرآة لم يكن في الحديقة سوى قميص على حبل يكسره النشيد ... و الحذر غزالة تستعيد جلدها من حبر المؤرخين.. .. كنت اعرف أخطاء الضحية و العابرين إلى عذوبة الاحتضار .. و اضطراب النوايا ... أرى في كتاب الرمل انتصارات غد طائش و لغة أنشأت لنا منفى . على ريح وقفت .. اجمع ما تركته الصواعق في تيه الرعاة.. لم أكن يوسف . حينها .. كان الليل في غرفة الطعام ذبابة تخرج من كتاب نيتشه .. و كنت ابحث عن الثقب ..في الجورب .. ربما هو في الجدار أو في المرآة... أوقف بغتة نومي .. لا شئ في الحديقة يثير انتباه الحلم .. و كان بوسعي أن اترك الليل و كان بوسعي أن اترك الليل .. و كان بوسعي أن ادعوا الزجاج إلى خجلي كي يضئ و كان بوسعي أن أضع السماء قرب عصفور كسيح .. و كان بوسعي أن أكون كما أقول .. 

استرخى المعلم على الأريكة، ثم قال بعد أن أطلق تنهيدة عميقة: -بعد أيام قليلة ستجف الأرض. وداعب ما تبقى من الشعيرات القليلة في مؤخرة رأسه. ولعل زوجته قد شعرت بالحرج لأن المائدة كانت فارغة، فاتجهت نحو المطبخ وسكبت كأسا واحدا من الشاي وقبل أن تضعه أمامي، التقطه المعلم بسرعة، رشف نصفه وأعطاني النصف الآخر، لكني كدت أضع الكأس بعد رشفة سريعة وكان المعلم قد رمقني بسرعة حتى التقطته زوجته قائلة: لو سمحت. لماذا يحتاج المرء إلى الكشف عن قناعه الحقيقي وبتلك السرعة؟. قمت وأنا حاسر الرأس بالعديد من الافتراضات، وما أن قالت وهي ترشف ما تبقى من الكأس. "الله كم هو حلو"، حتى انتهيت وببساطة إلى فكرة واحدة انه الجوع، نعم إن الزوجين جائعين. لقد كان معلمي الأول. وعندما أصادفه في الشاهر أو في الملعب صبيحة كل أحد أفكر وهو يهز وجهه الضائع في جلباه القديم بأنه ينظر إلى الأمام بطمأنينة كبيرة، لأنه عرف وهذا ما يخمن فيه مرارا كيف خرج من تلك الأيام العصيبة بمنزل كبير دون أن يشعر أحد بذلك يشهد على ذلك عشرات الأوراق والتي رأيتها صدفة هنا وهناك وقد دون عليها الكثير من الملاحظات عن المصروف اليومي ونوعية التربة وكم يحتاج منزل من فئة مائة متر مثلا من الحديد والرمل والاسمنت وأجور العمال ونوعية الزليج والجبص والآجور وهو حين يتطلع إلى تلك الأوراق يشعر بدهشة كبيرة لا لأنه كان رفقة زوجته دقيقا في كل شيء بل لأنه كان يملك قدرا كبيرا من الشجاعة وهو يتقنع بعشرات الأقنعة. ذات أحد قال لوالدي وكان يتمشيان باتجاه الملعب: صدقني بعد الزواج مباشرة، لم أعد أعرف على أي جهة يدور العالم، وعما يحدث في البلاد، كنت أرفع راسي فقط كلما دار الحديث عن موضوع فكري أو سياسي وأجدني أردد مثلا وبشكل واثق. نعم، لقد كان المهدي مناضلا كبيرا، سعد الله ونوس، مسرح التسييس، يا للرجل البارع، بعدها أخرج السيجارة الوحيدة التي أضعها قبل أن أخرج من البيت في ياقة قميصي الداخلي، أدخنها في صمت متقنعا بقناع الحكمة واللحظة المؤثرة تماما كما في مشهد مسرحي. وضحك بصوت عال. لكني وأنا أقف بجانب الوادي كنت أحس بأن صوته كان ضعيفا وبعد صمت قصير سألني كيف حال الوالد؟. بخير. لقد قضينا أياما جميلة فوق خشبة المسرح. واستطرد وهو يحدق في كأس الشاي الفارغ. المسرح، آه إني أتذكر الآن المشهد الأخير، قاعة المسرح الضيقة، الخشبة الشبه المنهارة وأنا أقف تحت الضوء الخافت وأمامي عشرات الأفواه وهي ننفث دخان سجائرها الرخيصة، لحظتها كنت أتقمص دوري الأخير، دور عاشق أو محبط، شعرت ولأول مرة بأني تخلصت فعلا من آلاف الكلمات التي تشبه صراخا في برية موحشة، عن تجريح الذات وعن البكاء والقضية الكبرى وفي نهاية المشهد وأنا أقف خلف الستار الأسود امتدت يد خطيبتي لتمسح عرق نهاية المشهد، فرفعت يدها عاليا وأنا أقول: لا، لست عاشقا فاشلا، كما شاهد الجميع على الخشبة، أن أجمل ما في المشاهد المؤلمة هو أن تلتقط الأشياء النبيلة كما قال، ستا..ستا. ثم التفت نحوي متسائلا: ما اسمه... ما اسمه؟. تقصد ستانسلافسكي. نعم نعم انه هو. يومها كنا في بداية الطريق وقالت خطيبتي وهي تشد بيدي بأنها مستعدة للذهاب معي إلى آخر الدنيا، ثم وكعادته مضى مسرعا إلى غرفة جانبية وأحضر علبة صغيرة من الزليج وهو يردد: نعم نعم إلى آخر الدنيا، لقد كانت امرأة صادقة، تصور رغم ظروفنا الصعبة، فقد اشترت هذا النوع الثمين من الزليج، وسيكون منظره رائعا في المطبخ. وترك العلبة في مكانها واستلقى على ظهره للحظات، ثم نهض بعد ذلك وحمل العلبة واتجه إلى المطبخ ووضع الزليج على شكل أربع مربعات وتمتم وكان مأخوذا بلون الزليج الذهبي. انظر، أليس منظرا رائعا؟. لم اجبه، شعرت بالحيرة وأنا أتمشى وسط المطبخ الكبير، إذ كان فارغا ولا أثر للنعمة فقط ثمالات الشاي في بقايا كاس أو كاسين، وشعرت بالذهول أكثر حين دخل أبناؤه دفعة واحدة إلى المطبخ بعد أن تخلصوا من الكتب بعد أن قامت أكبرهم وكانت جد نحيلة بوضع البقرج على النار تحلق الجميع حول مائدة صغيرة ودون أن ينتبه المعلم إلى أبناءه أشار إلي بأن أتبعه، ويبدو أنه قد انتشى أكثر بإشارات الإعجاب التي كنت أبديها وأنا أحرك رأسي، وبفراغ المنزل الباهر، إذ ظل صامتا وهو يفتح لي أبواب الغرف الموصدة والباردة، وفي اللحظة التي تطلع فيها إلى الطابق الثاني انتبه إلى الصوت الذي أخذ يقترب من الباب الخارجي، فقال بعد أن أغلق أبواب الغرف التي فتحها للتو: إنه المهندس. وظل المهندس يردد: هذه آخر مرة. لن نعثر على الطين أو الماء بعد الآن. وفيما أخذ المعلم يفكر ويعد في مذكرة صغيرة خسائره قالت زوجته"أتمنى أن تجف الأرض ونعثر على أرض صلبة"، وعندما أخرج المهندس تصميم المنزل الجديد لم يستطع المعلم أن يخفي انفعاله، بينما ظل المهندس وكأنه يتعمد ذلك يتحدث عن أهمية البقعة التي سيقيمون عليها المنزل الجديد، بعد أن عاتب المعلم لأنه ظل صامتا دون أن يطرح أية أسئلة بينما كان المعلم بحكم تجربته الطويل في البناء يفكر وقد كبث انفعاله بأن لا جدوى من الحديث بعد تلك المسافة الطويلة من الحفر، وبأصابعها الدقيقة رفعت زوجة علبة الزليج، وبعد أن اختفى المهندس البلدي، أحضرت كأسين من الشاي وقليلا من الزيتون الأسود وقال المعلم بعد أن التفت إلى زوجته وبصوت خافت جدا: نحن نخطط لبناء منزل ثالث، وبعد قليل سنزور المنزل الأول، ثم اختفى رفقة زوجته في إحدى الغرف، وبعد وشوشة قصيرة عاد المعلم وهو يقول: لقد أخبرتها بأنك رجل كتوم. وبعد الظهيرة بقليل كانا يسيران أمامي، قبل أن يفترقا. وبينما هو يسير بجانبي وقد غطى رأسه بطاقية قديمة وعينيه بنظارة سوداء كنت أفكر بالانصراف، لكني شعرت بالخجل، وهكذا عبرنا مسافة طويلة ومتربة حتى بلغنا حيا حديث البناء. قلت إنه حي هادئ جدا. رد وهو يلتفت يمينا ويسارا نعم وأنا أول من بنى منزلا هنا بعد جاري السوسي، وأشار إلى البناية الكبيرة التي بجانبه ثم أخرج المفاتيح وهو يتعوذ، وغاب لدقائق ثم عاد برفقة زوجته التي يبدو أنها قد عدلت عن رأيها، لذلك قال المعلم وهو يربت على كتفي: لا بأس سنعود مرة أخرى. وفي الطريق إلى البقعة الجديدة التفت إلى منزله ثم توقف فجأة وعاد نحوه مسرعا وبعد أن تأكد بأنه قد أحكم إغلاق الباب الخارجي، أخذ يطوف بالمنزل ويحدق طويلا وهو يتراجع إلى الخلف وأحيانا يتقدم أكثر يلمس الجدران الباردة بيده اليمنى. قال وهو يعد بأصبعه المنازل المجاورة: غريب تكاد تكون كل المنازل فارغة. وحين تصنعت الدهشة متسائلا رغم أنني أكره هذا النوع من الحديث. هل فارغة فعلا؟ أجاب على الفور نعم إنها فارغة. كان الزوجان يخفيان أشياء كثيرة وفجأة وكنا على بعد مسافة قصيرة من البقعة المبتلة حيث العمال وحرارة الصيف الرتيبة وقفت زوجته حائرة بين ثلاثة ممرات، لقد أينعت في ذهنها فكرة مدهشة، إذ اكتشفت وبمحض الصدفة أن كل ممر سيؤدي إلى أحد منازلهما، والرجل الذي تسمر خلفها وبدا هو الآخر مشغولا أطلق ضحكة منكسرة حين حدثته بعد خطوة واحدة بفكرة الممرات. ها هما يتقدمان. نحيلان إلى حد التلاشي. وعلى مشارف البقعة المبتلة، وبحركة مسرحية ودعني الرجل ورفعت هي الأخرى يدها مودعة مع ابتسامة ازدادت شحوبا وهي تمسك بيد زوجها ذو الوجه المعروق كلما تقدم أكثر وأطل أحدهما دون أن يحدث الآخر عن المياه التي أخذت تتسع وتنبثق من بين دوائر الطين المبتل، حيث المياه التي بالكاد رايتها في وجوههم المعروقة. قبل أن أراها على الأرض. راكدة وهادئة. كمياه الأزل العميقة. ـ 1 ـ وأخيرا جلس الشاب على يمينه رجل عجوز وامرأة بدينة ، وقبل أن يجد مكان شاغرا للجلوس قبالة الممر المؤدي إلى غرف المستشفى حيث يموت الكثيرون تحت وطأة الإهمال و الألم دخلت امرأة ، قالت الممرضة وهي تحاول طردها بأنها تحب صراخ الأطفال بقسم الولادة. بائع الحصير ، لم يصدق أذنيه ، والمرأة البدينة تعودت قبل أن تعتدل واقفة . ومر وقت طويل قبل أن يأتي الطبيب . على يسار الشاب رجل طويل القامة قال للطبيب وهو يضع يده على صدره، أنه يشك في مرض السكر . وبعد ذلك أخرج علبة السجائر ، لم يتردد الطبيب في أخد واحدة ووضع الأخرى في فمه. وقالت المرأة البدينة بأنها تشك في الملح . وقال العجوز ذو الوجه النحيف إنه يشك في القلب .وغاب الطبيب قبل أن يعود ثانية إلى مكتبه ، ليشرب الشاي ويدخن في هدوء وعيناه عالقتان في البلهاء وهي تتحسس بطنها شبه العاري وتفكر في العمل ، وصراخ الولادة، وفي الله مالك السموات والأرض ومانح الخصوبة ... . ـ 2 ـ فوق الإناء المعدني كأس قديم ، والإبريق الصغير خلف الكأس الذي راح الطبيب يرفعه ويشرب منه بهدوء . هل شعر برغبة في الشرب ؟ أم في الخروج من الغرفة التي يخترقها الألم من كل جانب، وبعد أن رأى بندول الساعة اليابانية أشار من النافدة إلى أحد المرضى .فقام المريض وخلفه زوجته الحزينة . ـ3ـ ما علاقة السقوط بالجن ؟ تساءل الطبيب : لا أدري : ربما يكون مصابا بمس ما إذ في كل ليلة يسقط من السرير وهو يغمغم لوحده. ردت الزوجة بعد أن خرج زوجها المريض لإحضار إبريق من الشاي . تعود الطبيب ثم أخد يتمشى خلف مجموعة من الأطباء وهم يعبرون أروقة المستشفى المليئة بالمرضى، وتحت ضوء النهار وعلى مقربة من الممر ، وقفت ممرضتان . قالت إحداهن بعد حديث طويل عن الذهب ونوع الأثوبة التي ظهرت أخيرا .وعن السحر والسحرة وخذلان الرجال . ـ غريب .حتى الممرضات الصينيات أصبحن يتهافتن على الرشوة . ردت الأخرى بهدوء ـ نحن الذين علمناهم ... أليس كذالك ... ؟ ـ 4 ـ ترك الطبيب الإبريق مفتوحا و أخد يتأمل حبات الشاي وورق النعناع ، قبل أن تتم وبشكل بطيء عملية التحول ، وقبل منتصف النهار ، خلع بدلته البيضاء وربطة العنق التي تثير كثيرا من مشاعر الخوف في نفوس المرضى واتجه إلى أقرب حانة ، ومع الكؤوس الأولى وبين اليقظة الماكرة والتنسل الثقيل وهو يزحف بين أطراف الجسد تمنى أن يتحول بسرعة . * * * ـ 5 ـ أخيرا وقف الشاب . كان مكتب الطبيب مفتوحا وعلى المكتب الأبيض رأى ملفه الطبي والممرضة تشير له بأصابع يدها بان الطبيب سيعود فورا . والرجل الطويل اتكأ على صور المستشفى بجانب العجوز الذي أخرج السبسي وصرة الكيف .وفي ما كانت المرأة البدينة تتهيأ وبصعوبة للوقوف ، عبرت امرأة حامل الممر ، متجهة رفقة ممرضة أخرى إلى قسم الولادة ، فخرجت البهاء قبل أن تجهش بالبكاء وتحدق مرة أخرى في مالك الكون ومالك الخصوبة. ثلاثة وجوه هل رآها بعد ذلك اليوم؟ كنت أقول لنفسي لعل الرجل قد مات أو امتصته الأرض كما تمتص الماء جرعة وراء أخرى، لكنه ظهر فجأة واختفى بعد ذلك. كان صديقي يهدي لوحده قائلا وهو يتأمل سحب الماء الهاربة "انظر إننا هكذا... مثل هذا السحاب العابر". ولم أجادله، تركته يلغي لوحده وتهت بأفكاري نحو البعيد، كان الرجل الثخين يربت على جبين الناقة العريض ويشد الحبل المجدول نحو الأرض وكأنه يأمرها بالجلوس، وفجأة أخذ الناقة نحو جهة مظلمة وربط الحبل الخشن في صخرة كبيرة وتركها هناك وتوغل في الظلمة الكثيفة، كان الباب مواربا، أحست بخطاه ولم تلتفت، تركته يحوم حول البيت كالطائر المهاجر الذي عاد لتوه من بعيد وقد غامت من حوله كل الأشياء، وكان تنور النار كعادته خارج البيت، والبرقج الأسود يطلق دخانا ساخنا، والبيت من بعيد يبدو كخم الدجاج، تنحنحت المرأة وخرجت، رآها فاهتز قلبه وراح يعدو نحوها... رأت ظله من بعيد وهو يقترب فاقتربت، سألته في دهشة. - منذ متى وأنت تنتظر؟. - منذ لحظات فقط...! كان زوجها يسعل بشدة فأخذت التنور الطيني ودخلت، كان رأسه مطأطأ نحو الأرض، واللعاب يسيل من فمه وقد تهدجت أوداجه وشحب وجهه، ناولته جرعات متتالية من ماء ساخن، مستخلص من طبيخ أعشاب برية فأخذ فمه بمنديل وسخ وهو يلعن الأطباء، قال لها يوما: "إن الأطباء هم رأس البلية ولولاهم لما حصل الذي حصل". وكانت زوجته تمسح جبينه بيديها الجميلتين، إلا أنها توقفت فجأة وكأن تيارا كهربائيا قد مسها فالتفتت بهدوء نحو باحة الدار. كان الرجل واقفا، اخبرها بإشارة من يده بأن صبره قد نفذ، وبأن الريح قوية في الخارج، فتنهدت وهي تتقدم خطوة وراء أخرى خارج البيت بعد ما أطفأت النور: * * * قال الرجل: - هل تذكرين...! - ماذا... ؟ امتقع وجه الرجل ثم أضاف، وكأنه يحدث نفسه: - بالطبع لا تذكرين... لقد مضى زمن طويل... ! وكعادتها. خلدت إلى الصمت واكتفت بالنظر إلى السقف وهي تتأوه.



بحـــــــــر يتلون 1 . بحر الذكرى 
شرفة منزلنا قريبة من الشاطئ، فلا تكاد تومئ برأسك حتى يلفعك نسيم البحر العليل، وغرفتي التي بجانب الشرفة تجعل منظر الأصيل حيث تغرب الشمس في البحر منظرا أحرص أشد الحرص على متابعته. أقنعت نفسي بهذه الفكرة، لكن أبي عبثا كان يشرح لي اختفاء الشمس، ولأن الشمس كبيرة تضيء منزلنا في تطوان، وتضيء مكان الاصطياف والمدرسة وأي مكان أذهب إليه، فلابد أن البحر كبير مثل السماء.
أقف مشدوها أحملق في هذه الزرقة المشتعلة، وكأنني أنتظر أجوبة تؤكد رؤيتي وتدحض فكرة أبي. استمرت علاقتي بالبحر تنمو..وتكبر حتى أصبحت أعتلي موجه. أبي عبثا ينصحني بأخذ الحيطة والحذر. لكن البحر يخرج ما لا ينتمي إلى صلبه قلت لنفسي، وتمنيت لو يفهم أبي الأمر، فالبحر لا يمكن أن يقبل بي ضيفا في أغواره. أكيد أنه يرمي كل ما يشوه بهاءه؛ إذ تلفت نظراتي كل صباح تلك الأشياء الغريبة من أحذية ممزقة وبقايا قنينات ومواد خشبية ترسو على حافة الشاطئ. إنه البحر، وحده يعين من ينتمي إليه، وكم منيت نفسي أن يحتضنني يوما إلى الأبد. كبرت مرة ثالثة، أبي رحل..وظلت أمي وفية لذكراها، حيث نصيف كل سنة في المكان المعهود..وظل البحر موحشا يذكرني بنصائح الوالد التي لم تتخلص منها ذاكرتي رغم صغرها، هنا كان أبي يجلس يصطاد أبي في هذا المكان، وهناك تحت المظلة استراح إلى الأبد.
تلك الشمس تبدو بعيدة، وكأن البحر يبتلعها، تدخله ببطء. أتأمل ذاك المكان الذي ابتلع جزءا من واقعي في هذه المدينة. كان شابا طموحا، يفكر فيما يأتي، وفي دراسته تفوق على غيره، يعرف كيف يثبت موقفه من العالم. لكن الزمن لم يسعفه حتى يصبح إنسانا له مواقف تحترم ويعيش من أجلها، ظلت تحليقاته الكثيرة مجرد أحلام لم تتجاوز أسوار الجامعة. كنا ندرس قرب البحر، لهذا وعدنا بأشياء كبيرة وأخلف وعده، نعم يستمع لبوحنا وحماقاتنا، ويبقى صامتا، حتى حسبنا أن صمته علامة رضاه..تلك الأحلام جعلتنا نعيش حالة ضياع، حيث يمتد طوافنا اليومي من بداية المتاهة إلى نهايتها، ولا جديد يذكر مع غروب شمس الأصيل.. في منطقة مختفية من نفسه قرر وحسم، لأول مرة اتخذ قرارا انفراديا دونما استشارتي.. أوحى لي بفكرته خمنت ولم أهتد إلى جواب شاف، احترمت قراره، نعم نوى الابتعاد عن ساحلنا واللقاء بأقرب ساحل يستوعب قبس أحلامه المشتعل، ولأنني تحمست لفكرته وشجاعته التي لا أملكها، ورأيت أن حلمه جزءا من أحلامي.. أقرضته ما بحوزتي..وجمع ما جمع..ركب رحم الليل والتحق بنوارس حالمة، مثله هائمة، تبحث عن سؤال يقيها مرارة الواقع..فكان..لم يخبرني بالموعد والطريقة..سار يمخر عباب هذا المتوسط، يصارع مجهولا طالما اعتقدنا طيبوبته، كان طموحا، وطموحه لم يتجاوز تلك الرمال التي نحتنا فيها أحلامنا وهواجسنا..كم كانت صدمتي يا بحر حينما لفظت أحلامي وشتتها على رمال سوداء قاتمة، لا تصلح للرثاء حتى. هل كنا رومانسيين إلى هذا الحد؟ أجوبة أبي كانت صحيحة، فأنت أناني تأكل أحلامنا لتعيش.
وكان البحر موعد الغروب ينتظر أسئلة البوح، وتأخرت في التفكير هي لم تأت، أخلفت موعدها، أنجزت عددا من السيناريوهات لعل فراستي تجيب، هل تتمنع أم هذا آخر انتظار؟ هكذا كلمتني أمواج البحر، أتراها تتنكر، وأنا الذي آمنت أن الإنسان هو هو لا يتغير..نصف ساعة تكفي، أكل الساعات تكفي..كل سيناريو أنجزه ينهار كسؤال مارد يمحقه عباب الوجود، نعم فشلت السيناريوهات..والزمن تجمد في، لم تعد سوى نسمة هذا الممتد تناوش نظري، أجيل به في أعماق المتوسط، فلا أرى شيئا، أثلج صدري بالانتظار. المبررات كانت أقوى منها، ورياح الشمال عاتية، هي لم تحسم شيئا، ظلت سؤالا معلقا..وهذا ما أعاقني..هل خنت القسم وتنكرت لها. الرياح كانت قوية وصوتها بدا شاحبا، وأبوها أصر على موقفه. وصوتي أصابته الحبسة واكتفيت بالنظر..سأقول في نفسي حياتي المتقلبة لا تسمح لي، ومصروفي لا يكفيني، أحبك لكن لا أقدر على خبز الشعير بزيت الزيتون، هل هي لعبة..أم ماذا..هي لم تأت لنصحح أخطاءنا ونتبادل الذكرى، ونعلن رفضنا معا. المتوسط كان شاهدا..هل البوح خائن؟ كنت الوحيد من يعرف كل شيء، لكن كعاداتك لم تسعفني في شيء، هل كنت صادقا معها؟ أنتظر كثيرا. فربما أصاب بنوبة جنون أو برد تخلصني من ورطة الانتظار..وهي لم تأت لنضع أحلامنا أمامك..هي هي.. سأنتظر زمنا آخر عساها..أتذكر نصيحة الحاج الحب صعب والبحر لا يلفظ سوى الأشياء التي لا تنتمي إلى عالمه.. هل أنا هين أمامك يا بحر..وأنت الذي علمتني كيف أحب دون سؤال وأن أسامح..البوح صعب والغروب محقه النحيب.
كانت الى جانبي

دارنا عامرة، تعج بالأصوات. أمي تترأس مجلس الأمداح، حيث تحتشد نساء الحي لأداء طقس أسبوعي، يبدأ بالوعظ والإرشاد وينتهي بالإغماءات وتمزيق الملابس وخربشات على الوجوه. كان طقسا روحيا. أبي لا يحب هذه الطقوس، لكن قوة أمي فرضت توجهها على دارنا في كل شيء، حتى عادات أبي.
ولعل أمورا كنت أجهلها جعلت دارنا عامرة. فجميع المطبات التي تقع فيها نساء الحي ورجالاته تحل بدارنا.
كنت في السابعة عشرة من عمري، أجاهد من أجل شهادة نهاية السنة، حتى أرحل. ولأني آخر عنقود الفراش، سمحت لي أمي أن أراقب طقسها الأسبوعي إيماء. نساء عريضات مثل الفيَلة يحملن دفوفا، يسدنها بحركات لطيفة، يضعنها فوق المجامير لتصبح أوتارها أشد صلابة مثل قلب أمي.
يتجمهرن في فناء الدار العتيق، يفترشن الزرابي، يتكئن على سرر مرفوعة مصنوعة لهذا الغرض. يأكل الصمت مقامهم، أمي تبدأ خطبتها، تستعيد فيها زمنها الأول، حينما كانت أمنا الكبيرة تعشق الله حبا وليس خوفا، تخترق خوف الأخريات، تنهمر الدموع.. تحلق الأرواح عاليا، تلامس زمنها تتشظى إلى فسيفساء لا لون لها. يسرع الجميع إلى التهليل والاصفرار والحشرجات ثم العويل، بعدها بقليل تنساب دقات الدفوف لتحمس مجلس الأرواح الثائرة...
الخميس مقدس..يحرم على أبي والذكور من إخوتي ولوج الدار حتى ساعات متأخرة، عندما تصبح أمي ورفيقاتها مثل نسمة ريح عارضة، فقط رائحة البخور وأنين متقطع يتصاعد ويخبو. يومها لا تتكلم. أعيرها مصريتي كالعادة، وأسترق السمع والنظر، فلا أرى، بينما تصل إلى أذني زفرات مبحوحة وغمغمات مفجعة. لا أحد يستطيع خرق مجاهلها..أنا لا أنم ليلتها..تنتابني أسئلة كثيرة، لماذا تقوم أمي بهذا الطقس؟ لماذا يظل صوتها شاحبا ليلة كاملة؟ لماذا يعذبها الله؟ ألأنها تتظاهر بحبها له كأمنا الكبيرة التي مازالت بركتها في مصريتي مصريتها؟ كل سؤال تتناسل منه متاهة أسئلة، أتوه في دروبها المعتمة، أنادي، أسترشد بخطاي، فلا صوتي ولا صوت الآخرين، وحدها تلك الغمغمات تسكنني، فأبدو مثل سؤال أضاع علامة هدايته.
سألت أبي فقال: لا تعبأ يا بني، فالطريق صعبة، وسألت دربنا فقال: أمك صالحة، وهذه وسوسة الشيطان، سألت فقيه المسجد صبيحتها فقال: بدع، وكل بدعة في النار، سألت أستاذي فاكتفى بالتشدق والسخرية، فلم أفهم. لكن أمي لا تبيع جسدها أو تشتري أعراض الناس بآيات قليلة..كل اللاءات لم تقنعك بما يقع. فأزحت همومي. وتحمست لمجلس أمي وباركته، خصوصا أن "شوق" بنت جارتنا تواظب على الحضور، وعندما تختنق تتسلل من المجلس خفية وتجالسني فوق. نضع رأسا لرأس ونشاهد ما نشاهد. وينقبض قلبها ثم يرتجف، فأحميها من الخوف الذي يعمني. أمسح دمعتها التي لا أقدر عليها، فأمي تقول "إن الرجال لا يبكون" كان بكائي داخليا، و"شوق" تخرجه بصمت.. تجترح أنفاسي فأكاد أتقيأ لكنها تؤجل كل شيء.
أحببت يوم الخميس لأن "شوق" تكون إلى جانبي، بعد بكاء خفيف تصعد إلى مصريتي، تلك الحجرة المباركة، لأن أمنا الكبيرة اختارت أن تنام نومتها الأخيرة هناك. لهذا لا ندخل المصرية إلا بروح طاهرة. و"شوق" طاهرة، لكن شطحاتي الكثيرة، دفعتني إلى مرافقة شوق إلى مكان القداسة لأمسح دموعها، وأخفف بعضا من هواجسها، فنصنع قداستنا، ونموت إلى حين..لم أكن لأعي ما تفعله الجذبات بنا، فالجسد تحرر، وتخلص من أدرانه.. أمي القوية استوعبت ما يخامرني، فأنهت أسئلتي قبل أن تولد، وبعثتني إلى شيخ طريقتها كي يباركني ويغسل الأشواق من قلبي، فكان ما كان.. وظلت شوق إلى جانبي ردحا من الزمن، وكأن طقوس المباركة مجرد بدايات لشوق أكبر، تعرفت في هذا الزمن نفسي، ومصائر مجهولة اجتذبتني إليها، واهتديت إلى سؤال النهاية، فكانت جذبة شوق وأسئلتها أشد صلابة من قلب أمي.
قصص قصيرة جدا..

هاتف
يرن الهاتف بقوة، يرن، عيني لا ترمق حركة سوى السواد، آه الليل، أتوه في مسافة لامتناهية، أعثر على ضوء بعيد، أنهض من جديد، لكن سرعان ما تتسع المسافة فأسقط على أوراقي المبعثرة، أحبو ببطء، هناك يرن، يعوي، يصرخ.. أصل إليه، الساعة الآن السابعة صباحا.
طيران
أصبت بنوبة أرق حاد، جسدي منهمك، الجزء الوحيد الذي لا يركع هو الرأس، كلما تحايلت على جفوني لأنام ، اشتعل بريقهما.. أنام أخيرا بضع دقائق، في بضع دقائق هاته، أحسست أن قوى خفية تحملني بقوة وترميني إلى هوة سحيقة، أنهض مفزوعا، أجد نفسي هناك أمام الهاتف ملقى.
خبر
في الليل أحمل نفسي وألقي بها على الوسادة، أدون يومياتي، أحس بدوران مفاجئ، أتناول حبة أسبرين وأنبطح في وضع مغاير لأنهي اليوم، يرن الهاتف، قرأت يومياتك إنها مقرفة.
ليل
أتسكع في دروبي المعتمة، أميل إلى علبة ليلية، أشاهد قامات مختلفة، تتزيا بأشهر الماركات العالمية، أتلك الماركات تتناسب وتفكير الذي يحمله، ربما هو افتراض مباغت، تكاد حمرة عيني تلتهم هذا البياض، أحس باهتزاز على مستوى الفخذ، أنير جهازي لأرد، يداهمني النادل، ممنوع استعمال الهاتف المتطور.
متاهة
يصلني رقم غريب، هو بعيد كل البعد عن موطني، أجيل النظر بعيدا، أقلب كلماته، أعيد تركيبها، يجيبني الوداعا الوداع.
مكالمة
في الثانية عشر ليلا يتصل بي صديقي: أنا في المحطة، أيقظت أمي لتجهز لنا وجبة خفيفة، بسرعة استقلت أقرب طريق، فوصلت، أتصل مجددا بالصديق، قال: كانت مزحة، قررت ألا أعود ليلتها إلا المنزل.
سفر
كانت المسافة بعيدة بين المحطتين، تجشمت المسافة ليلا، ووصلت إلى ذاك المكان البعيد، اتصلت بأحد المعارف الافتراضيين، اكتشفت أنه صاحبني نصف المدة.
بقلم: عماد الورداني/ المغرب
تعودُ من شغلها شُهود بالرُّكب المثنيَّة غِيرة تنورتُكِ القصيرةُ صَوت يتشاجران ناي حزينٌ كَلـماتنا نزيُّنها، وننتفها، ونحدفها على مسامع الآخرين، نلقيها على امتداد أذرعنا كأنَّها سنانير طُعِّمتْ جيداً، أبعدنا كلابنا عن المياه كي لا ينبِّهوا بنباحهم أسماك فطنتهم، دخَّنَّا سجائرنا، تذوَّقنا حروف كلماتنا كي نتأكَّد أنَّها مُسنَّنةً بما فيه الكفاية، قبل أن تهمَّ بالسُّقوط من فوق أطراف ألسنتنا، تذوَّقنا ملوحتها، استعذبنا المرارة اللاذعة وهي تلتفّ حول حروفها، وانتشينا ونحن نتخيَّل أنفسنا نحدفها في آذانهم، ضربتنا المتعة ونحن نتصوَّر كم ستحمرّ وجوههم، كم ستكوى أطراف آذانهم جمرة الخجل، شددنا نفساً عميقاً، نفثنا الدُّخان بشفاه ترتعش، وقلنا كلماتنا، قلناها هكذا، رميناها مثل حجرٍ نقذفه في مياهٍ آسنة، ونحن نوازي أيادينا الرَّامية مع سطح المياه، كي تكون أحجارنا مشطوفةً تضرب السَّطح الرَّخو مرَّة واثنتين وثلاثاً، تعمَّدنا النَّظر بعيون ناعسة في وجوههم، ونحن نرقب تلوُّن الوجوه، كنَّا نقهقه في أعماقنا؛ كم هي جميلة ومسنَّنة كلماتنا، وهْي تتقافز فوق مياههم، فَـاصـل الحروف التي شُغلتُ بها عنكِ صَـوت يتشاجران فَـراشة يعرفونه؛ تَـرْقِيم يكتب العاشق اسم عاشقته تَـعريف هو نُـدوب ذيلُ فستانكِ المُوشَّى بالورود قَسْـوة بيتٌ من طابقين غُـصْن يلزمها غَـزَل نبتة اللِّبلاب سَفَر I لا شيء أنا قابعٌ في آخر السَّطرِ تليني نقطةٌ ويسبقني الفراغْ.
II مثل أعمى يستردَّ نورَ عينيه من ظلمةٍ في القاعِ كان وحدَهُ يدرِّبُ يدهُ على الكتابة ووحدَهُ يختبرُ قدميه بالمشي وصدرَهُ بتحمِّل ثقل النيكوتين وقلبه بالحزنْ
الأرضُ التي هجرتْهُ قديماً أنبتتْ زهراً غريبَ الشَّكلِ طيِّبَ الرَّائحةْ وناسها لم يعودوا أنفسهمْ.
III كأنَّكَ على سفرٍ ترتَّبُ الأشياءَ تزيحُ الأتربةَ الخفيفةَ بضربةِ مِنْفضةٍ وتنصتُ لشروخِ الأصواتِ في أذنكَ وهْيَ تتبدلُ من حالٍ إلى حالْ تودِّعُ الأصدقاءَ بنظراتٍ مكسورةٍ وابتساماتٍ معتذرةٍ بلا سببٍ
كأنَّك على سفرٍ تحتارُ ما الذي تحملهُ معكَ وما الذي تهملهُ أيُّ الكلماتِ تقولها لأمِّكَ وأيُّها لا تلفظه
كأنَّكَ على سفرْ.
IV فتَّشوه أخرجوا من جيبه الصَّغير صوراً عائليةً مكسَّرةَ الحوافِّ أولادَ عمومةٍ لم يرهم منذ سنينَ وأسماءَ رفاقٍ طارئينَ أوصوهُ بأنْ يرعى المحبَّةَ بالسِّؤالْ وثيقةَ سفرٍ وقبلاتِ أمٍّ محلاةٍ بملحِ دموعِها لحظة الوداعْ أحجبةً ضدَّ الخوفِ وقلاداتٍ تحفظُهُ من العينِ سنابكَ خيلٍ متعبةٍ من التِّجوالِ في كتب التَّاريخِ وتذكاراتٍ رخيصةً من الأصدقاءِ البعيدين نوباتِ حنينٍ وفتياتٍ لم يعصرهن بعدُ بين ذراعيه.
فتَّشوه أوقفوهُ في آخر الصفِّ وصوَّبوا عيونَهم عليه بغِلٍّ نادوا على اسمه مرةً مرَّتين وحينَ لم يستجبْ لهم تركوهُ يمضي خفيفاً لا هدهداتِ أمٍّ تُثقلُ عليهِ ولا أدعية تشبكُ أكفُّها الصغيرة في ذيل ثوبه الذي يحفُّ التُّرابَ كلَّما مشى.
V في البردِّ عدَّ أصابعَهُ ( زرقاء .. ومُصفرَّة الأطرافِ )
أحكمَ غلقَ سترتِهِ على صدرهِ الضَّامر وشدَّ دخانَ سيجارته بحرقةٍ: يحرمُكِ اللهُ كلَّ راحةٍ يا التي تركتِني وحيداً.
VI لا لغة ولا كلامْ لا التَّنهيدةُ الحارقةُ وهْيَ تخرجُ مكسورةً من صدري ولا نظرةَ عينيَّ المهزومتين قدَّامكِ لا شيءَ ينقلُ حضوركِ فيَّ وجسمكِ لا تترجمُهُ الحروفُ.
قدمكِ وهْيَ تخطو يدكِ وهي تلمسُ القلمَ عيناكِ خلفَ نظَّارةِ الشَّمسِ شفتُكِ مضغوطةٌ تحت سنَّتيكِ الأماميتين شعرُكِ حين تهزُّه الرِّيحُ ويبتكرهُ الهواءُ صوتُكِ المبحوحْ غناؤُكِ الخجول وهْوَ يتدحْرجُ فوق الوسائدْ ضحكتُكِ التي ترنُّ في صمتِنا كعملةِ نقدٍ ممحوةِ الوجهينِ خفَّتُكِ وأنتِ تخبطينَ الأرضَ في خطوكِ الهشِّ ... ............ ......... لا لغة ولا كلامْ.
VII قالتْ لهُ أمُّهُ: لتكنْ تلكَ اتكاءتَكَ في البعيدِ صوتكَ الذي ترفعُهُ خفيةً في الظَّلامِ يدَكَ التي تبْطشُ بها الآخرينَ ودمعتَكَ التي تبكيها عليهم!
قالتْ له: أرِنِي يديكَ يا ابن بطني وبِكْري الذي سيكونُ سندي في القادمِ من الأيامِ أرِنِي يديكْ هنا طَبْعُكَ الذي ربيتَ عليهِ وعمرُكَ الذي كبرَ تحتَ عينيَّ كنبتةِ ظلّْ ندوبُ جسدكَ التي ارتكبتْها رعونتي بغفلتي عنكَ وسقطاتُكَ الخمس من فوق ركبتيَّ
هنا أسماءُ أخوتِكَ .. أبوكَ وأمُّكَ طينتُكَ التي عجنتْها الآلهةُ وصلصالُكَ الذي سوَّاهُ رحْمي فبحقِّ الذي في يديكَ دعْ عينيكَ معصوبتين وافتحهما خلسةً من تحت الغمامةْ مدَّ يدكَ لمن يسحبكَ في الزِّحامِ واسحبْهُ أنتْ
حين تقرصُكَ الوحدةُ في مكمنِ ضعْفٍ قوِّ قلبَكَ بندهةِ أمِّك وأَرِحْ كتفيكَ من تعبِ التذكُّر ولا تصف أحداً إلا بالذي فيه وامرأتكَ أنتَ ربُّها وراعيها فاجعلها فَرْشَتكَ وسترَكَ عن العيون اضربْ غرورَها برحمةٍ إن عصتْكَ وانهضْ لها إن دخلتْ عليكْ وإن رأتكَ تبصُّ إلى حُسن سواها قلْ لها: لي قلبٌ تحفُّ الصَّبايا إن مررْنَ بهِ وعينٌ مختومةٌ على الجمالِ فكيفَ أنهيها؟!
لتكن تلك اتكاءتَكَ في البعيد هذه الصفحة البيضاء ليس قبلها ليس سواها.
VIII مسَّتْ يده الباردة وهْيَ تتنهَّد نظرتْ إلى شفتيه كأنَّها تنتظر منهما أن يصفاها همَّ بالكلام حين شعر بعينيه تسبقانه: أنتِ ككأس النبيذ هذا أوَّلكِ مُسْكرٌ وآخركِ مرارة.
IX يلوي لسانَه كلَّ يومٍ ليفهمه الناس تنبت فوق شفتيه ابتسامات شاحبة وهو يربتُ على كتف نفسه يقولُ: غداً سوف أرى أمِّي.
X رغم تعبه رغم قدميه اللتين تئنَّان كمومستينِ أكلَ الغرباءُ لحمَهُما عُنوةً رغم قلبه الذي يهرولُ من سياط التَّدخين حطَّ رأسَهُ على فَرْشَتِهِ شمَّ رائحة شعر امرأته المنسدلِ جواره تنفَّس كلَّ الرَّائحة بكامل رئتيه أغمضَ عينيه الضِّيقتين وهْوَ يفتح فمه قليلاً بوسع حلْمة نهدها الذي يرقد هادئاً تحت كفِّه وضغطَ شفتيه في رقةٍ بدائيةٍ جعلتْ لسانَهُ المحمومَ يميِّز ما بين دمعه المالح الذي فاجأه وحموضةِ لبنها هذا الذي تخثَّر كجرحٍ على شفتيه تسعة وعشرين عاماً بكاملِها.
XI قالَ: كيف تركتِ محبَّتك الحرير كقبر وَليّ يحكُّ الأحبة أياديهم المدنسة على قطيفتها الزرقاء ويبتهلون إليكِ؟
يا بنتُ ردِّي فمي إلى طفولتِهِ وامنحيني بئريَ الأولى ضعي يدَكِ دافئةً بين وركيَّ شدِّي عليه واجعليه صلباً مثل ساريةٍ أنا سأفتحُ أوراقَ وردتكِ التي تنامُ هادئةً وأجعلها تزهرُ من جديد.
XII قالتْ له أمُّه: عندما تكون هناكَ في البعيد الذي لم أره في الظِّلِّ الغامق لامرأةٍ لا تشبهنا في البيت العتيق الذي تحرسُه الأشجارُ الغريبة والطرقاتُ الباردةُ المكسوَّةُ بالثلجِ نمْ وتدفَّأ بأنفاسي
يا ولد لا تحلم بامرأةٍ ليستْ ملكَ يمينكْ ولا تُهرِّب نظرتك تحت فستانٍ لم تشترهْ وابقِ عينيكَ مفتوحتين اتقاءً لغدرٍ. مارس 2004
(مصر) 



فلا تجد أحدا
كرسيّه في الرُّكن
يده هناك فوق لوحة المفاتيح
نبتاته الخضراء فوق ظلِّ المدفأة القديمة
رائحته لم تزل في بيچامته
كلُّ شيء في مكانه
سواه.
بالكعوب المدوَّرة كحدوات الخيل
بالكفوف المعروقة
وبالأكتاف التي شقَّها جدولان من شبق
وطئا بشرتكِ الخفيفة يا هدوم
الجدران شاهدة
الرَّغبة التي أعمتهما شاهدة
أرضيَّة الباركيه
والسجَّادة في المدخل
وكرسيّ الزِّينة
والكتاب المفتوح تحت النَّافذة شهود
المشجب في الرُّكن
وروب الحمَّام
والخفُّ البيتيُّ شهود؛
هو لم يلحظ الانتصاب الخفيف وهْو يبرز فوق نهديكِ يا بلوزتها
وهْي لم تر الانتفاخ البطيء
وهْو ينمو تحت يايكَ
يا بنطاله الملقى هناك
في آخر الطرقة!
التي طالما رفضتِ ارتداءَها
تنورتكِ الحرير
البيضاءُ ذات الزُّهور
تمشَّتْ معي في عزِّ مايو تحت أعين العابرينَ
كنت أضع كفِّي على ردفكِ الأيمن
وأصابعكِ الخمسة تنسلُّ إلى جيبي الخلفيّ
فيما بنطالي
الذي طالما رفضتُ ارتداءه
يموتُ غيرةً
فوق رفِّ الخزانة.
يعلو صوته بالصُّراخ والشَّتيمة
وتبتلُّ عيناها بدمع عاتب
يطوِّح كتباً وقناني وأكواباً على الأرض
وتنكِّس وجهها مثل راية خاسرة
يهرب إلى أربعة جدران تقيه مصالحة
وتصعد إلى فراش بارد
ينام فوق كرسيِّه
وتنام في سريرها مضمومة مثل جنين
فيما تظلّ في البهو
دمعة لم تتشربها السِّجادة الجديدة
ويظل صوت صرخته الأخيرة
يطوِّف في الهواء.
مثل شرْشفٍ على فراشٍ غادرتْهُ امرأةٌ
شجيٌّ
مثل ناي سقط للتوِّ تحت وجع الكمان
كان يحكي
وهْيَ
ترمقُ العابرين
بعين قنَّاصة في سَمْت الفريسة.
تغوص..
ثم تطفو لتغوص..
ثم تطفو
فتغوص إلى الأبد.
الثُّريات التي كنتُ أظنُّها نجوماً في الليل
الفراشات التي طالما طوَّفتْ حول شعلة سيجارتي في العتمة
خيوط الحرير الخام التي جمعتُها شرنقةً شرنقةً
كانت تصحو في الليالي الطَّويلة كي تشدّني منكِ
وتوقفني على عتبة من رجاء
عتبة وحيدة
لا من أجل أن يُغلق بابها في وجه قادم
ولا من أجل أن يُوارب أمام عطش عابر
بل من أجل أن يكون بيننا فاصل
أنا من خلفه أكتب
وأنت من أمامه
تطرقين.
يعلو صوته بالصُّراخ والشَّتيمة
وتبتلُّ عيناها بدمع عاتب
يطوِّح كتباً وقناني وأكواباً على الأرض
وتنكِّس وجهها مثل راية خاسرة
يهرب إلى أربعة جدران تقيه مصالحة
وتصعد إلى فراش بارد
ينام فوق كرسيِّه
وتنام في سريرها مضمومة مثل جنين
فيما تظلّ في البهو
دمعة لم تتشربها السِّجادة الجديدة
ويظل صوت صرخته الأخيرة
يطوِّف في الهواء.
قبل بيته
سيتهاوى فوق تراب الطَّريق
يحملونه إلى ركنٍ
ويسندون ظهره إلى حجرٍ
يكحُّ
فيفتِّشون جيوبه عن يرقةٍ اخترقت ضلوعه
وعطَّلت رئتيه
حين تحوَّلتْ إلى فراشة.
متبوعاً بفاصلة،
وتكتب العاشقة اسم عاشقها
متبوعاً بنقطة خاتمة.
هكذا الأمر إذن
تفضحنا أوراقنا!
السَّهم
الذي
غادر
للتوِّ
قوسه
المشدود
يا بنات
أنْتُنَّ الفرائس
وأنا الزَّارع الحاصد.
يغوص تحت كعبيكِ وأنت تدوسين حافيةً
كلُّ خطوة
أنفض عن صدري زهرةً مفتَّتة الأوراق
ونُدْبة.
ليس إلا..
رجلٌ في الطَّابق العلويّ
وامرأةٌ في الطَّابق السُّفليّ
يا لقلبكَ أيُّها السَّقف
كيف تتحمَّل أن تكون
بكلِّ هذه القسوة؟!
أن تكون قاسية القلب
هذه الفأس المرفوعة بيد الحطَّاب
يلزمها
أن يكون نصلها حادَّاً
وهْي تهمُّ بالسُّقوط كي تجزّ الشَّجرة
يلزمها أن تكون بلا مشاعر أصلاً
كي لا ترهبها رعشة اليد الخشبيَّة في كفِّ حطَّابها
تلك اليد التي كانت قديماً
غصناً
فوق الشَّجرة ذاتها.
التي التفَّتْ على ساق زهرتنا
فاقتها ارتفاعاً
ولم تجد ما تتسنَّد عليه
اعتقدنا في البداية
أنَّها تفعل ذلك حبَّاً في الزَّهرة
انظري الآن
ها هي تتأرجح منتشيةً في الهواء
والشَّمس في الأعالي
تحمرُّ خجلاً.
ويسقط مِنِّي مشجُوجاً وغارقاً في دمٍ قانٍ بين نهديكِ
رأسي ثقيلٌ من السَّهر والأرق والكتابة والنَّوم المتقطِّع والغناء والكلام
ونهداكِ ناعمان وملسوان ودافئان ومزدانان بحبَّات عرقٍ شفَّافةٍ
رأسي ثقيلٌ ومشوشٌ ومضبَّب الأفكار والأحلام
والرُّؤى التي تُخْرِجُ رأسَها لتنظرَ بنصفِ عينٍ من خلف ستار التَّذكُّرِ
ونهداكِ حنونانِ كأمٍّ
ومغناجانِ كمُومسٍ
وشقيَّان مثل طفلين تربَّيا في الشَّوارعِ
رأسي عجوزٌ سرقَ الأطفالُ نعليه من أمام عتبةِ بيتهِ
ونهداكِ طريق صخريٌّ
أدوسُ بقدميَّ الحافيتينِ على جمْرهما الرَّمليَّ
فلا أنا وصلتُ
ولا غَرُبَتْ الشَّمسُ. 
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()

لم أدرك أن البيت مثل كائن حي، يتنفس وينتشي ويحزن ويبكي ويسافر, يحمل الأمتعة في أحشائه يلفظها كفضلات،ويطيب له الرحيل فيلوح بيده مودع ويمضي..أويضيق بي غضبا ويقذفني خارجا ويفلت من النوافذ متجاوزا قفل الباب الخارجي... يشهق مثل الكائن في الكون، بيت، يلبس الفراق والفراغ ويواصل السفر عاريا من الجدران ، التي خلعت ألوانها المصبوغة بنسق قميص عرس. ...ممهورا برشقة من لوحة زيتيه. ولا بيت يتشرد بلا ناس وأنفاس ، يتناثر على اطراف البلاد ، يتفشى في الهواء الموبوء يفسح بين الايدي مسافات حائره وسط عائلة راقصة على صهيل الاوبرا، تتلوى كأجساد تجري في الضباب و تركض فوق مسرح شاسع بأدخنة وأحصنة تسبح في خلفيات سرياليه ورقص جماعي لا تتشابك فيه الايدي مطلقا.. مثل التهام يشع بضوء محيط ويفوح برائحة رغبة بركانيه. فراشات تخفي وجهها باقنعة بيضاء ، تجوب فوق الطرقات وتلهو في أرجوحة العيد... لم أعد بعد...كأنني في بيتي الزائر الاول. خجلا من النظر اليه ، وكي لا أكون ثقيلا، سأرحل سريعا..زيارة بيت لساعات....إفتراض عودة صدقتها و كأنها لحظة شوق ملتهبه، تنقشع وتتبخر ساعة السلام على حبيب... أرحل اليه, لايهمني ان كان موجودا أو ينوء من ثقل الحديد فيخر سجدا على ركبتيه. ما يهمني توقيت يقرره هو كي يطلب مني موعدا للبقاء. يعدني متى سأتوقف عن الدوران وأنا أجول عاريا بلا ستائره.. وبلا ابتسامته الساخره،أسوح على ما تبقى لي من أرصفه. شهيق يغادر رئتي، يحل بالهجر زفيرا فاسدا بعبق رطوبة قبر، وأستعيره من خلف نوافذ انيقة، وأستقر على وسادة ينقصها القدره في أن تبوح بمنامات ناعمة و الرغبة بأن تنزلق على مسامات وجهي .. و ماذا سأفعل بدفئها المشحون بوابل من نار احلامي. كيف يلوذ المساء خلف الطين الهجين ؟ فيكون كحل عين يومي يحتل أجفاني ويغتصب بفحشه زاوية النظر نحو ازرقاق البحر؟.......فيكون الوجه يشبه وجها رأيته مرة في صالون الاحزان والصباح كأنه مر على العمر برهة وغاب خلف المستحيل. ألم تقتلك الغربه؟ فكنت جرعة ماء في شدق شاذ، يحمل ثأرا مدفونا من داحس والغبراء،أكتشف الحقد المزمن فيه بقايا ينبوع يترقرق في حارة نهريه, شربك لعاب الموت غرفة غرفة، كي يبلل حلق النار الجبان. انهض بروحك من أجل إحتراق موسيقي يلتهم الاحلام اليابسه، وأنا خائفا من طيفك الجميل، من غيابك ،لذا سأفر بما تبقى من رائحة عطري الهاربة من إشتعال شراشف السرير و مكتبة مائله متفحمة وصور متدرجة كصعود على سلالم النكبات و لحياة تتهاوى متأرجحه. تعال إلي ضع رأسك على كتفي ،كي تستنشق مرة أخرى واحة فرح في حياة مشبعة بزيف وحزن ورياء، فأنا لا أقوى حتى على إلتحاف سماء مجهوله تتمدد على رصيف حياة رماديه . لأكتشف دائما أنها مجازية. مذهولا بأقدام تحط بي على منفى داخلي يسجل في الروح معنى اللامكان . قتلني المؤقت. وأن أغمس من حنانك بعض حبري...كل اقامة قابلة للانتهاء...كل رحلة تنتظر هبوط في بلد.....كأني مرساة تمتد الى قعر البحر..واكتشف في جسدك المسحول الف جسد.. كل شئ غير قابل للتصرف، ولكنه حتما قابل للانتهاء.. . محطات سفر ، إنطلاق وجري و توقف اضطراري على الطريق المتعرج و البيت المضبوط على منبه الساعة، يتأرجح فوق هدير الموج مثل برج سفينه نسكنه بيتا لرحله ونغادره على ميناء الوصول.. كي لا أغدر اقامتي مرة اخرى...فأنا لا اقوى على تحمل الخيانات.... لنوقع ميثاق شرف غير قابل للسرقه . الاحتراب بين المنفى الداخلي والمنفى الخارجي نعقد صلحا ملكيا بين الرحيل والبقاء ..كي ننال يوما شئ من ما يمكن ان يسمى بالبقاء... هنا أعلن هدنة الفراق ..نكتبه هذه المرة على قطعة ورق عابر لألسنة النار .. كل الأحذية الغريبه داست فوق عتبة البيت تخترق درع القلب وتركت بصمة لن تمحوها دمعة خجوله، والاذان الصماء مثقوبة طبلتهاوالسنة خشنة كالمبرد عقدت في شدق الناطق الذي كان فصيحا، رائحة كريهة وبقع بشعة لا تزيلها مساحيق السياسة و حتى أدوات التبرج الباريسي..دمغة عبريه بختم السلطان العربي وفوقه توقيع مريب على جدار خلع جلده ولبس قناع همجي ، حافل بالسواد وشاهد سيبقى محفورا بسجل الذاكرة السوداء... ذاكرة بسبعة أرواح، متمرده .. نفذت بريشها و فرت من مجزرة الذكريات...لذلك لن تخذلني و تذيع إعلانا صريحا بموت شهي ومستطاب للحظة حب مقيم ولن يستهويها بعد أن تبشر بوقف لأطلاق الأحلام.... قررت... قررت.. قررت أن أواصل الغناء بأحرف راقصة من فوهة الحزن تعزف لحنا صحروايا وتقرع على دف من صمت، أنين ضياع بطعم المنفى الجديد وبنكهة غربة برازيليه،،وتزف فرحا يتمايل على ذاك الحنين...حتى لا تخمد في أعماقي حكاية عطش يستعر لهيبا بذروة المخيم.
عليك أن تخجل أيها البيت فقد تعبت ساعداي من حمل الحقائب. ولو مرة اجلب لي المرايا المحطمه والصباح الفيروزي بعد مغيب يعبق بنسيم الليل.

عندما أحببتكِ سيدتي؛ اقترفتُ – عن حماقةٍ مني- عَشرةَ أخطاء:
1- كنتُ أتحدثُ إليكِ بلغةِ الحاءِ والباء، وما انتبهتُ إلى أن لُغتكِ تتكون فقط من سبعةٍ وعشرين حرفاً.
2- لم أحسن اختيار سفرائي إليكِ، فبعثتُ "أم كلثوم" و"عبد الحليم" و"فيروز" و"نجاة"، فتكلموا بما لا تأبهين به، ودعوكِ إلى غير ما تتطلعين إليه، وعرضوا سوى ما تبتغينه.
3- أهديتُكِ باقةً من زهور الروح، وقلادةً مشغولةً من حجرات القلب، وأقراطاً من الموسيقى الكلاسيكية، ولغةً مغلفةً بخيوطٍ من غمغمات النوارس، ووهبتكِ ألفَ قصيدة عذراء، طهّرتُها من رجسِ الشِّعْرِ، وأكاذيب الشعراء... وعندما عرضتِها في مزادٍ علني على رصيفِ القطارِ المسافر إلى مدينتك المنشودة، لم تساو أكثر من ثمن فنجان قهوتك في مقهى رخيص.
4- اتخذتُ لكِ في الناحيةِ المقمرةِ من القلبِ وطناً ومسكناً، ورفعتُ بنيانه فوقَ سحابات الجوى، وشيدتُ طُوباته من طينِ الصباح، وطليتُ جدرانه بنداوة القرنفل، ودسست بين أركانه دفء الانتشاء، وأضأت جنباته بمصابيح الأمل، وزينتُ شرفاته بعصفور الجنة وأطواق الياسمين، وشققت في باحته الخلفية بحيرةً من الأماني العذبة... وما حسبته أصغر من أن يحتوي أحلامك، وأضيق من أن يتسع لطموحاتك، وأقصى من أن يصلك بمريديكِ.
5- رسمتك لوحةً مائية بألوان الفراشات، وظللتُ زواياها بهدأة البحر في مساءٍ صيفي، وصنعت لها إطاراً من ذهبٍ ربيعي... وفاتني أنكِ تفضلين الدَرَجاتِ الرمادية، والمساحيق الضبابية، والمعاطف الشتوية، قبل أن أكتشف أنني كنتُ أرسم قناعاً لملامح لا تشبهك.
6- اصطحبتك في رحلةٍ استعْمارية إلى غيمةٍ رهيفةٍ على الساحل الفَيْروزي من السماء، دون بطاقة هوية، أو تأشيرة دخول، أو تذكرة سفر مدفوعة، ورشوتُ حراسها بلآلىء من العشقِ الخالص، ففتّحوا الأبواب إلى كل اتجاه... وعندما أخذتُ بيديكِ للمرور عبر بوابة الدخول؛ وجدتُ جذورك مزروعةً في الحارة السفلية من المدينة الطينية على الدَّرْج المنحدر من الأرض.
7- أعدمتُ الليلَ والنهار، والشمسَ والقمر، والفصولَ الأربعة، وجعلتُ اليومَ لوناً واحداً استوحيته من ضوء عينيكِ، والعام فصلاً واحداً له رائحة عطرك ونسائم إطلالتك، والوقت وحدةً واحدة تعبثين بدقائقها كيفما تشائين... وما كنتُ سوى لحظة عابرة على ميقات تقويمك، وسحابة شاردة على خريطة أجوائك، ووقتاً ضائعاً يشغل المساحة المعتمة من أوقات فراغك.
8- طلقتُ نساءَ الدنيا، واعتنقتُ الرهبانية في دير الحب، وبايعتك على مملكتي الصغيرة؛ الملكَ الأوحد والحاكمَ الأوحد والإلهَ الأوحد ... فشغلك عنها ممالكك الممتدة عبر المدن العشوائية والأحراش الموحلة، وقُطْعانُ مواليكِ الطوّافينَ بكَعْبتكِ النارية فوق التلال الصفراء.
9- راجعتُ تفصيلَ شرائعي، فجعلتُ الجنةَ في كل ما يقربني إليكِ، والجحيمَ في كل ما يبعدني عنكِ، والإيمانَ في انحناءات الذات على أهداب كبريائك، والكفرَ في كل قصيدة لا تبدأ باسمك... وما عرفتُ إلا متأخراً؛ أن جناتي إن هي إلا قَبْرٌ خَرِب في فراديس جناتك.
10- دعوتك إلى اعتناق الحب... فاتخذتِهِ صنماً من العجوة، تأكليته كل ليلة؛ ما إن تنقضي صلواته.

رصاصات طائشة..
مجهولة المصدر
تقتنص كل من يحط
الرحال على قلب
صدئ متمرد..
أبى ان يحب..
عبرات متجمدة باردة
يستحيل أن تذرف
على أي كان..
حقد فجائي..
استوطن جوارحي
لاأعرف مصدره..
ربما خيانة حبيب
هاجر مستبدلا
أرضا دافئة..
تتواطئ مع كل ما
تبقى من العشاق
لتهيئ لهم طقوسا جنونية
بسماء مدن
تكاد تفقدهويتك
من برودتها ولامبلاتها
الدائمتين..
صعب أن يتغير كل من حولك
أعدائك..
رفاقك..
حتى حبيبك..
دون مقدمات
تؤهلك لقبول ذلك..
كل ما أعرفه
أنه وضع مؤقت
زائل بعديوم..
بعد شهر
لا أدري

هذا المساء
كلمتني صورتك المعلقة
على الجدار
انتفضت.. بكت
لمحت على خدها
قبلة كانت هديتك في عيد الحب
ها أنا أقول:
كم جعلت من خصلات شعرك
لحافا
كم قطفت من رموش عينيك
لأشتري بها قوت الظهيرة
أصاحب الجوكندا و ابتسامتها
.. المالحة
كم دوختني.....
By Ayob al- Maliji
Translated by Munir Mezyed
This evening
Your hanging picture on the wall
Talked to me
It revolted... cried
I glanced on her cheek
A kiss that was your gift on valentine day
Here I am saying
How many times you make out of your tresses
A blanket
And how many times you pluck
For your eyelashes
So that I may buy my daily food
I associate with Giaconda and her salty smile
How dizzy she makes me
<<الصفحة الرئيسية








